الخرطوم=^المندرة نيوز^
بينما توقع الأقلام على “ميثاق سنجة للطب العلاجي” في ختام ملتقى قومي تحت شعار “رغم الحاصل.. لازم نواصل”، تبرز أسئلة جادة حول جدوى هذا الميثاق كإطار حاكم لعملية إعادة إعمار النظام الصحي السوداني الذي دمرته الحرب. لا شك أن عقد مثل هذا التجمع في ظل الظروف الراهنة يمثل خطوة رمزية مهمة نحو استعادة الزخم المؤسسي، ولكن فعالية الميثاق ستقاس بقدرته على تحويل الشعارات إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ومواجهة الجذور الهيكلية للأزمة، وليس الأعراض فقط.
البيانات الصادرة عن المؤتمر – مثل إطلاق صندوق إعمار المستشفيات، وتوطين الجراحات التخصصية، ورقمنة الخدمات – تحمل في طياتها رؤية صحيحة من حيث المبدأ. ففي مرحلة ما بعد الصراع، يجب أن تتجه الأولويات نحو إعادة البناء الذكي، الذي لا يعيد الجدران فقط، بل يعيد هيكلة الخدمة الصحية لتكون أكثر صلابة وعدالة وكفاءة. الرقمنة، إذا نفذت بخطة واضحة للبنية التحتية والتأهيل، يمكن أن تكون حجر الزاوية في تحقيق الشفافية ومكافحة الفساد وتحسين تدفق الموارد، وهو درس مستفاد من تجربة رواندا بعد 1994، حيث كانت السجلات الصحية الإلكترونية محوراً في نهضتها الصحية المذهلة.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن في معالجة الأزمة السودانية بمنطق “الطب العلاجي” التقليدي فقط. النظام الصحي الذي يحتاج إلى إعادة إعمار هو نظام منهك ما قبل الحرب بضعف التمويل، وعدم المساواة الإقليمية، والاعتماد الشديد على المساعدات الخارجية، ونقص حاد في القوى العاملة المدربة بفعل تشريد الاطر الصحية بقرارات سياسية و فوضى الصراع السياسى الممنهج. لذلك، يجب أن تكون أولويات إعادة الإعمار على النحو التالي:
1. الانتقال من الطابع الطارئ إلى بناء نظام صحي شامل قائم على الرعاية الصحية الأولية: يجب أن يكون صندوق إعمار المستشفيات جزءاً من خطة وطنية لإصلاح المنظومة، مع توجيه استثمارات موازية لمراكز الرعاية الأولية في المناطق الأكثر تضرراً، كما فعلت الأردن بنجاح في استيعاب اللاجئين السوريين.
2. استثمار الإنسان قبل الحجر: لا فائدة من مستشفيات مجهزة بلا أطقم مؤهلة. يجب أن تكون الأولوية القصوى لبرامج عاجلة لتدريب وتأهيل وإعادة دمج الكوادر الصحية، مع خطة تحفيزية لمنع هجرتها. تجربة لبنان (قبل الأزمات الأخيرة) في برامج التدريب السريع للممارسين العامين قد تقدم نموذجاً مفيداً.
3. التمويل المستدام والمساءلة: يجب أن يتجاوز صندوق الإعمار كونه وعاءً للتبرعات، ليكون نواة لصندوق صحي وطني مستدام، بآليات تمويل مبتكرة ومحلية، وتحت رقابة مجتمعية صارمة تضمن “العدالة والشفافية” التي نادى بها الميثاق.
4. تكامل الخدمات وربط الإغاثة بالتنمية: يجب دمج برامج الصحة النفسية ودعم الصدمات – الناجمة عن الحرب – بشكل كامل في النظام الصحي العام، وعدم تركها لمبادرات إنسانية منفصلة.
بعد اخير :
مم القول، ميثاق سنجة يمثل بصيص أمل في نفق مظلم، لكنه ليس الخريطة الكاملة للخروج. القيمة الحقيقية لهذه الوثيقة “الملزمة” ستُختبر بقدرة قادة الصحة على تحويلها إلى خطة عمل عملية ذات موازنات ومؤشرات أداء ومواعيد نهائية واضحة. إعادة إعمار النظام الصحي السوداني تتطلب أكثر من شجاعة طبية؛ فهي تستدعي إرادة سياسية حقيقية، وتعاوناً دولياً ذكياً يركز على بناء القدرات، وشراكة مجتمعية فاعلة. التاريخ لن يحكم على هذا الملتقى بما قيل في سنجة، بل بما سيُبنى على أرض الواقع في كل قرية ومدينة سودانية.
واخيراً، “الجيش الأبيض” قادر على أن يكون حائط صد، لكنه يحتاج أولاً إلى أن يعاد تسليحه بالإرادة والإدارة والموارد المستدامة. المسيرة طويلة، والبداية يجب أن تكون صحيحة.
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
حسبنا الله ونِعم الوكيل
اللهم لا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 29 ديسمبر 2025م







