الخرطوم=^المندرة نيوز^
حين تمشي الوطنية على قدمين صغيرتين خلف بزّة عسكرية
وعلى حد قولي:
يمشي الصغير وخطوه ما زال غضا
لكن قلبه أكبر من العمر والسنين
إذا الأب علّم بالفعل لا بالكلام
كبر الوطن في عيون الأبناء أمين
في مشهد عابر في زمنه، عميق في دلالاته، شوهد طفل صغير يتبع والده وهو بكامل عتاده العسكري، متجهاً إلى موقع عمله، لم يتشبث الطفل بيد أبيه خوفاً، ولم يبكِ فراقاً، بل مشى خلفه بثبات، كأنما يدرك، بفطرته قبل وعيه، أن ما يراه أمامه ليس مجرد أب ذاهب إلى عمل، بل رجل يحمل وطناً على كتفيه.
ذلك المشهد، في بساطته، كان أبلغ من آلاف الخطب عن الوطنية، وأصدق من كل الشعارات المرفوعة في الميادين. طفل يتبع أباه الجندي، لا لأن الأب أمره، بل لأن الصورة نفسها جذبت قلبه الصغير. وهنا تتجلى حقيقة التربية، حين تكون القدوة فعلاً لا قولاً، وسلوكاً لا موعظة عابرة.
تربية الأبناء لا تبدأ في المدارس، ولا تُختصر في النصائح الجافة، بل تُصنع في التفاصيل اليومية، في طريقة خروج الأب إلى عمله، في احترامه لواجبه، في هيبته الصامتة، وفي صدقه مع نفسه قبل أن يكون مع الآخرين. ذلك الطفل لم يتعلم الوطنية من كتاب، بل قرأها في بزّة أبيه، وفي انضباط خطوه، وفي اتجاهه الواضح نحو الواجب.
وشرف الجندية، في هذا السياق، لا يختزل في حمل السلاح وحده، بل في حمل القيم. الجندي الحقيقي هو الذي يزرع في أبنائه معنى الانتماء دون أن يتكلف الشرح، والذي يجعل ابنه يرى في الوطن قضية تستحق الاحترام، لا مجرد شعار يُرفع عند الحاجة. فحين يرى الطفل أباه يغادر البيت في زيّه العسكري، وهو يعلم أن وراء تلك الخطوة تعباً وخطراً ومسؤولية، تتكون في داخله بذرة الفهم المبكر لمعنى التضحية.
ذلك الطفل الذي تبع والده، لم يكن يقلده عبثاً، بل كان يعلن، دون أن يدري، أن التربية الناجحة تُنتج جيلاً لا يهرب من الواجب، ولا يخاف من الالتزام. جيل يرى في خدمة الوطن شرفاً، لا عبئاً، وفي الانضباط قيمة، لا قيداً.
في زمن كثرت فيه الشاشات وقلّت القدوات، يظل الأب هو المدرسة الأولى، والمرآة التي يرى فيها الطفل مستقبله. فإذا كان الأب صادقاً مع وطنه، مخلصاً في عمله، منضبطاً في سلوكه، فإن الطفل سيتبعه، اليوم بخطوات صغيرة، وغداً بمواقف كبيرة.
ذلك المشهد لم يكن مجرد صورة عاطفية، بل رسالة عميقة تقول إن الأوطان لا تُبنى فقط بالقرارات الكبرى، بل تُربّى في البيوت، وتُغرس في القلوب منذ الطفولة. وحين يكون الأب جندياً شريفاً، فإن الوطن يكسب أكثر من حارس… يكسب جيلاً كاملاً.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة







