المندرة نيوز

حفيد الباشا يكتب للمندرة.. تفكيك سردية النفوذ في القرن الأفريقي_ حين يتحول القلق السياسي إلى اختزال تحليلي

الخرطوم=^المندرة نيوز^
في مقال مقال حصري للمندرة نيوز .. د. عبدالعزيز الزبير باشا يكتب تفكيك سردية النفوذ في القرن الأفريقي_ حين يتحول القلق السياسي إلى اختزال تحليلي

تُطرح بعض الكتابات حول القرن الأفريقي من منطلق مشروع: القلق على أمن الإقليم، وحساسية الممرات البحرية، وتشابك المصالح الدولية. غير أن خطورة هذه الكتابات لا تكمن في نواياها، بل في الطريقة التي تُبسّط بها واقعًا شديد التعقيد، وتعيد إنتاجه في قالب خطابي لا يرقى إلى مستوى التحليل السياسي الرصين.

أولى الإشكاليات الجوهرية تتمثل في بناء سردية تفسيرية تقوم على عامل واحد مهيمن، يُحمَّل وحده مسؤولية تحولات إقليمية ممتدة عبر عقود. هذا النمط من التحليل لا يعكس فهمًا للصراع بقدر ما يعكس حاجة نفسية لتحديد خصم واضح، وهو ما يُفقد المقال قيمته التحليلية، لأن السياسة الدولية لا تُدار بمنطق “المحرّك الخفي”، بل بمنطق تراكب المصالح وتعدد مراكز القرار.

إن اختزال التنافس في القرن الأفريقي في خطوة سياسية واحدة، أو في فعل دبلوماسي معزول، يُعد تجاهلًا صريحًا لحقيقة أن الإقليم يعيش إعادة تموضع بطيئة ومركبة منذ سنوات، بفعل تحولات اقتصادية، وتغير في طرق التجارة العالمية، وأزمات داخلية مزمنة في بنية الدولة الوطنية. تجاهل هذه العوامل لا يُنتج تفسيرًا، بل يُنتج انطباعًا.

ويزداد الخلل وضوحًا عند الانتقال إلى المسألة القانونية، حيث يُستدعى خطاب السيادة ووحدة الأراضي بوصفه حقيقة سياسية نافذة بذاتها، بينما التجربة الدولية المعاصرة تثبت أن الشرعية القانونية كثيرًا ما تأتي لاحقًا للاستقرار الفعلي، لا العكس. إن التمسك بالقانون الدولي دون مساءلة ميزان القوة القائم، هو أقرب إلى الخطابة الأخلاقية منه إلى التحليل السياسي.

كما أن المقال يتعامل مع الكيانات المحلية في الإقليم بوصفها فراغات تُملأ من الخارج، متجاهلًا السياق الاجتماعي والسياسي الذي أنتجها. هذا التجاهل ليس سهوًا بسيطًا، بل خلل تحليلي خطير، لأنه يعفي البنى الداخلية من مسؤولية الفشل، ويُسقِط كل شيء على التدخل الخارجي، وكأن المجتمعات لا تنتج أزماتها بنفسها.

أما في الجانب الأمني، فيقع المقال في مأزق شائع: القفز من الحدث إلى النتيجة دون المرور عبر المسار. فالحديث عن تصاعد محتمل للعنف أو اضطراب الملاحة يُقدَّم كتحصيل حاصل، من دون تحليل القدرات، أو السياق العملياتي، أو حتى التوقيت. هكذا تتحول التوقعات إلى إنذارات عامة تصلح لكل زمان ومكان، لكنها لا تفسر شيئًا بعينه.

وفي تناوله للبحر الأحمر، يبدو المقال أسير تصور رومانسي يعتبره مجالًا إقليميًا يمكن تحصينه بالإرادة السياسية وحدها، متغافلًا عن أنه فضاء دولي مفتوح تحكمه موازين القوة البحرية والتجارية. إن الدعوة إلى أطر مؤسسية إقليمية دون الاعتراف بعجزها البنيوي، وتناقض مصالح أعضائها، وعدم امتلاكها أدوات تنفيذ، هي دعوة حسن نية لا أكثر.

الأخطر من ذلك، هو الانزلاق في الخاتمة إلى سردية كبرى عن التقسيم وإعادة رسم الخرائط، من دون تقديم أدلة بنيوية أو نماذج تفسيرية دقيقة. فليست كل حالة تفكك نتيجة مؤامرة، وليست كل أزمة خطوة في مخطط شامل. أحيانًا—وهذا ما يتجاهله المقال—تنهار الدول لأنها فشلت، لا لأنها استُهدفت.

إن المقال، في محصلته، يخلط بين التحليل والتحريض، وبين القراءة السياسية والبيان التعبوي. وهو إذ يحذر من أخطار حقيقية، يفعل ذلك بأدوات غير كافية، وبمنهج يفتقر إلى التوازن بين الداخل والخارج، وبين القانون والواقع، وبين النوايا والنتائج.

السياسة، في نهاية المطاف، لا تُدار بالتحذير وحده، ولا تُفهم عبر البحث الدائم عن خصم جاهز. من يريد الدفاع عن أمن الإقليم، عليه أولًا أن يفهم لماذا أصبح هشًا إلى هذا الحد، ومن الذي ترك الأبواب مفتوحة، قبل أن يسأل من دخل.

ذلك هو الفارق بين القلق المشروع… والتحليل الجاد….

*وطن و مؤسسات….*
*السودان أولا و أخيراً…..*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا*
*30/12/2025*

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *