الخرطوم=^المندرة نيوز^
بين هيبة البرهان وحرمة رشان… قراءة هادئة في واقعة الاعتداء المتداول
لسنا شهود زيفٍ ولا عشّاق صخب
نزنُ الوقائعَ بالعقل لا بالعصب
فإن زلّ القولُ صحّحناه
وإن أخطأ الفعلُ سمّيناه
في المشهد السوداني المشحون بالتحولات والضغوط، يطفو إلى السطح بين الفينة والأخرى حدثٌ صغير في شكله كبير في دلالات تتجاوز آثاره الأشخاص إلى المعنى العام للدولة وهيبتها وللصحافة وحدودها وللسلطة ومسؤولياتها.
ما تم تداوله بشأن الاعتداء الجسدي المنسوب إلى السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان على الصحفية رشان أوشي ليس خبراً عابراً يُستهلك في منصات التواصل بل واقعة تستوجب قراءة هادئة وعقلانية ومنهجية بعيداً عن التهييج أو التبرير الأعمى.
أولاً: ما يجب تثبيته بوضوح هو أن الاعتداء الجسدي أياً كان القائم به له حرمة ولا يجوز اطلاقاً المساس بالغير. هذه قاعدة أخلاقية وقانونية لا يسقطها منصب رئيس ولا يبررها غضب صحفي ولا يخفف من وطأتها سياق اعتزار.
رئيس الدولة ليس مواطناً عادياً ولكنه في المقابل الأكثر التزاماً بضبط النفس لأنه يمثل الدولة لا ذاته ويجسّد القانون لا ردود الأفعال.
ثانياً: الصحافة ليست خصماً للسلطة بل مرآتها.
وعندما تكون المرآة صادقة فإن كسرها لا يغيّر الحقيقة بل يضاعف شظاياها.
وهنا يبرز اسم الصحفية رشان أوشي لا كطرف في واقعة بل كمدرسة في الممارسة المهنية الرصينة.
رشان ليست من صحافة الإثارة الا موضوعية ولا من هواة الصيد في بلا كد وتعب.
هي صحفية بالأرقام وبالوقائع وبالتحليل بكل هدواء ولها القدرة النادرة على تقديم المحتوى الوطني دون ضجيج.
من يتابع إنتاج رشان أوشي يدرك أنها تتعامل مع السياسة كعلم لا كحلبة صراع.
أرقامها ليست اعتباطية وإحصاءاتها انتقائية وتحليلاتها لا تُفصَّل على مقاس موقف آني.
لذلك حين تتحدث او تكتب نجد أنفسنا تلاميذ قبل أن نكون قرّاء وأن حق لنا كزملاء ومتابعين عن كثب لا بدافع الولاء بل بدافع الاحترام المهني.
ثالثاً : التعامل الذي قدّمته رشان نفسها مع ما جرى إن صحّ أو تم تداوله كان درساً آخر في الوطنية.
لم تصرخ لم تتاجر لم تحوّل الواقعة إلى مظلومية شخصية بل قدّمت تعليقاً راقياً ومتزناً يضع الوطن قبل الذات ويغلّب الحكمة على الانفعال.
هذا السلوك وحده كافٍ ليضعها في خانة أبناء الوطن البررة الذين يختلفون دون أن يهدموا وينتقدون دون أن يحرّضوا.
أما العبارة التي أثارت جدلاً واسعاً المنسوبة إلى تعليقها أو المتداولة على لسانها من قبيل حتى لو حدث ماتداول ((جلدة رئاسية)) جلدة معتبرة فهي في جوهرها ليست تبريراً للعنف بل سخرية سودانية مُرّة تُعرّي المأزق ولا تزيّنه. هي محاولة لنزع فتيل الفتنة لا إشعاله ورسالة تقول إن الوطن أكبر من واقعة لكن الواقعة تظل واقعة لا يجوز تطبيعها.
منهجياً علينا أن نفصل بين ثلاثة مستويات:
– مستوى الفعل إن ثبت وهو مرفوض أخلاقياً وسياسياً.
– مستوى الشخص رئيساً كان أو صحفية وكلاهما محل تقدير في موقعه.
ومستوى الدولة الذي لا يحتمل اهتزاز الصورة ولا تسطيح النقاش.
الدول لا تُدار بردود الأفعال ولا تُحمى بكبت الأسئلة. والسلطة القوية هي التي تتحمّل النقد، لا التي ترد عليه بيدها. في المقابل، الصحافة الوطنية هي التي تنتقد من داخل الخندق الوطني لا من خارجه وهذا ما تمثّله رشان أوشي بوضوح.
الخلاصة التي لا بد من قولها بلا مواربة:
إن صحّ ما تم تداوله فالاعتداء خطأ يجب الاعتراف به وعدم تكراره.
وإن لم يصح فالتوضيح واجب لأن الصمت في زمن الشائعات إدانة.
وفي الحالتين تبقى رشان أوشي نموذجاً لصحفية قدّمت للوطن عقلاً قبل أن تقدّم له خبراً.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة






