الخرطوم=^المندرة نيوز^
ختام النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي في الرياض بالأمس ، عكس تحوّلًا لافتا في مقاربة المملكة العربية السعودية لدورها الاقتصادي والجيوسياسي في المنطقة ، وفي الوقت نفسه فتح نوافذ عملية أمام دول نامية، من بينها السودان، داخل منظومة التنمية الاقتصادية والاجتماعية .
لقد نجحت الرياض، من خلال هذا المؤتمر، في تثبيت نفسها كمنصة عالمية موثوقة لحوار التعدين والمعادن، عبر حجم المشاركة الدولية الواسعة، التي تجاوزت مئة دولة، بجانب تحويل النقاش من مستوى النوايا والتشخيص إلى مستوى الفعل الإداري القابل للتقييم والقياس .
هذا التحول كما عبّر عنه وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر بن إبراهيم الخريف يعكس رؤية سعودية واعية بأن قطاع التعدين لم يعد نشاطًا تقليديًا، بل رافعة تنموية واستثمارًا طويل الأجل في مستقبل الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل الطلب المتنامي على المعادن الحرجة الوازنة.
من زاوية التحليل التنموي، فإن الأرقام التي حققها المؤتمر ، من حيث عدد المشاركين، وحجم الاتفاقيات التي بلغت قيمتها نحو مئة مليار ريال، وتنوع مجالاتها بين الاستكشاف والتمويل والبحث والابتكار والاستدامة لا يمكن قراءتها بمعزل عن استراتيجية المملكة الرامية إلى جعل التعدين الركيزة الثالثة للاقتصاد بعد النفط والصناعة.
الأهم من ذلك أن المملكة، قدمت نموذجًا تشريعيًا وتنظيميًا يسعى إلى تهيئة بيئة جاذبة عبر تحديث الأنظمة، وتسهيل التراخيص، وتحفيز الاستكشاف.
في هذا المشهد حصدت الخرطوم نقاطًا سياسية وتنموية معتبرة. فمشاركة السودان في المؤتمر، التي قادها وزير المعادن نور الدائم طه، تمثل إدراكًا متقدمًا لأهمية الانتقال من الخطاب العام حول الموارد إلى بناء شراكات استراتيجية حقيقية. اللقاءات الثنائية مع الجانب السعودي، وما رافقها من تأكيد على عمق العلاقات الأخوية، عكست رغبة مشتركة في تحويل الإمكانات المعدنية السودانية إلى فرص استثمارية منتجة، تقوم على البحث الجيولوجي، وبناء القدرات، وتحديث المختبرات، وتبادل الخبرات.
بالنسبة للسودان، جاءت المشاركة في هذا المؤتمر في لحظة سياسية مهمة، حيث تتداخل الحاجة لإحلال السلام مع ضرورة التفكير الجاد في اليوم التالي. الحضور السوداني، واللقاءات الثنائية التي جمعت وزير المعادن السوداني بنظيره السعودي، حملت رسائل سياسية تتجاوز مضمون التعاون الفني. لتعكس اهتماما متبادلًا بأن إعادة إعمار السودان تتم من خلال شراكات منتجة، تحترم السيادة، وتربط الاستثمار ببناء القدرات.
وتستمد هذه الشراكة وزنها من عامل ثقة لا يمكن تجاهله. فالمملكة العربية السعودية تحظى بقبول واسع في الوجدان السوداني، ليس فقط بحكم الروابط التاريخية والاجتماعية، بل بسبب مقاربتها المتزنة للأزمة السودانية منذ اندلاع الحرب. فقد سعت الرياض إلى دعم مسارات التهدئة والعمل الإنساني، مع الحفاظ على مسافة واعية من الاستقطابات الحادة، ما جعلها ُينظر إليها كشريك يسعى إلى الاستقرار لا إلى توظيف الأزمة.
هذا الرصيد المعنوي الموثوق يمنح أي انخراط اقتصادي سعودي في السودان قابلية أعلى للاستدامة والقبول المجتمعي.
الأهمية السياسية لهذه اللقاءات تكمن في توقيتها وسياقها. فالسودان وهو يمر بمرحلة دقيقة من إعادة ترتيب أولوياته الاقتصادية والتنموية، يجد في الشراكة مع الرياض نموذجًا واقعيًا لكيفية توظيف الموارد الطبيعية ضمن رؤية تنموية مستقرة، قائمة على الشفافية والتكامل الإقليمي.
أيضآ جاء إعلان رئيس شركة مصفاة الذهب السعودية الجاهزية للدخول الفوري في عمليات شراء الذهب السوداني، استنادًا إلى خبرات متقدمة في سلاسل الإمداد والمختبرات، أكد علي انتقال العلاقة من مستوى المجاملات السياسية إلى مستوى المصالح الاقتصادية المتبادلة.
اقتصاديًا، يملك البلدان فرصًا تكاملية نادرة. فالسودان يمتلك موارد طبيعية هائلة في مجالات الزراعة والتعدين والثروة الحيوانية، إلى جانب موقع استراتيجي يربط البحر الأحمر بالعمق الأفريقي. في المقابل تمتلك المملكة رأس المال، والخبرة المؤسسية، والبنية التحتية اللوجستية، إضافة إلى رؤية تنموية واضحة تقودها “رؤية السعودية 2030” . التحدي والفرصة معًا يكمنان في الانتقال من نموذج الاستثمارات الجزئية أو الموسمية إلى شراكات استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على سلاسل قيمة متكاملة، وتوطين للصناعات، ونقل للمعرفة وبناء القدرات.
في مرحلة ما بعد الحرب، يُرجّح أن تلعب المملكة دورًا محوريًا في إعادة إعمار السودان، عبر هندسة نموذج تنموي يربط الاستقرار السياسي بالنمو الاقتصادي. قطاعات مثل الزراعة الحديثة، والأمن الغذائي، والتعدين، والطاقة، والموانئ والخدمات اللوجستية، مرشحة لأن تكون ساحات تعاون رئيسة. غير أن نجاح هذا المسار سيظل مشروطًا بقدرة السودان على إعادة بناء مؤسساته، وتوحيد مركز القرار الاقتصادي، وتقديم بيئة قانونية واستثمارية واضحة، تضمن الشفافية وحماية المصالح المشتركة.
اللافت أن التوافق اليوم بين الخرطوم والرياض يتجاوز منطق العلاقات الثنائية التقليدية، ليلامس سؤالًا أوسع حول موقع السودان في التحولات الإقليمية الجارية. فبين مساعي وقف الحرب، وإشارات الانخراط التنموي، ورصيد الثقة المتبادل، تتبلور معادلة جديدة تضع السودان أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف نفسه كشريك موثوق لا كساحة أزمة.
بحسب #وجه_الحقيقة فإن السودان لم يعد مجرد ملف طارئ في السياسة الإقليمية، بل بات جزءًا من المعادلة السعودية الجديدة، بكل ما تحمله من رهانات ومسؤوليات وآفاق مفتوحة على اليوم التالي من الحرب .
دمتم بخير وعافية.
الأحد 18 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com







