المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. العالم لا يحترم الضعفاء: السلاح وحده من يحمي الدول في زمن القوة المطلقة ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
منطق القوة المطلقة صار هو الحاكم الحقيقي للسلم الدولي. القوانين موجودة. المعاهدات موقعة. المنظمات الدولية تعمل. لكن القرار النهائي في الأزمات الكبرى لا يصدر من نصوص مكتوبة بل من ميزان السلاح. أنت ترى ذلك كل يوم في نشرات الأخبار. الدولة التي تملك القوة تفرض حدود الحركة. الدولة الضعيفة تنتظر الحماية أو تتلقى الضغط. العالم لا يسير بمنطق العدالة بل بمنطق الردع.

تشير تقارير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام إلى أن عدد الرؤوس النووية في العالم يتجاوز اثني عشر ألف رأس. الولايات المتحدة وروسيا تملكان أكثر من تسعين في المئة منها. هذا الرقم وحده يكفي لتفهم طبيعة النظام الدولي. السلم هنا لا يقوم على الثقة. يقوم على الخوف المتبادل. كل طرف يعرف أن أي ضربة تعني ردا أشد. لذلك يتراجع الجميع خطوة عند حافة المواجهة المباشرة.

أنت رأيت هذا بوضوح في الحرب الأوكرانية. دول الناتو لم تدخل بقواتها إلى ساحة القتال. لم تعلن حربا شاملة على روسيا. اكتفت بالدعم العسكري والمالي غير المباشر. السبب ليس تعاطفا ولا ضعفا. السبب أن السلاح النووي الروسي وضع سقفا لا يسمح بتجاوزه. الردع رسم الخطوط قبل أن يرسمها الدبلوماسيون.

أنت ترى الصورة نفسها في شبه الجزيرة الكورية. كوريا الشمالية دولة محدودة الموارد. تعاني من حصار طويل. لكنها لم تتعرض لغزو مباشر منذ امتلاكها السلاح النووي. التجارب الصاروخية التي تجريها ليست استعراضا إعلاميا فقط. هي رسالة سياسية تقول إن ثمن الهجوم سيكون باهظا. لذلك تغير أسلوب التعامل معها. الحديث يدور عن تفاوض لا عن إسقاط بالقوة.

هذه الوقائع تخبرك أن السلم الدولي قائم على معادلة بسيطة. من يملك الردع الأعلى يفرض قواعد اللعبة. من يفتقر إليه يبحث عن مظلة خارجية. من يثق في القانون وحده يغامر بأمنه. الأخلاق مهمة في الخطاب العام. لكنها لا توقف الجيوش ولا تعترض الصواريخ.

منذ عام 1945 لم تقع حرب مباشرة بين الدول المالكة للسلاح النووي. هذا ليس صدفة. هذا نتيجة حسابات دقيقة تقوم على الخوف من الفناء المتبادل. في المقابل شهد العالم عشرات الحروب في دول لا تملك قدرة ردع حقيقية. الفرق واضح. القوة تحمي أصحابها. الضعف يفتح الأبواب للتدخل.

بالنسبة للدول النامية ومنها دول منطقتنا فإن الرسالة قاسية لكنها واضحة. الاعتماد على الشعارات لا يكفي. التعويل على التعاطف الدولي وحده لا يحمي السيادة. المطلوب بناء قوة واقعية تحمي القرار الوطني. هذه القوة لا تعني بالضرورة امتلاك سلاح نووي. تعني امتلاك جيش منظم. تعني تدريب جيد. تعني قدرة دفاعية تقليدية تحسب لها الحساب. تعني علاقات خارجية متوازنة لا تقوم على طرف واحد.

تقارير البنك الدولي تشير إلى أن الدول التي ترفع إنفاقها الدفاعي إلى مستوى مدروس من ناتجها المحلي تحسن قدرتها على التفاوض وحماية مصالحها. القوة هنا ليست للهجوم بل لمنع الإملاء. الدولة التي لا تملك قدرة ردع معقولة تصبح ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة.

كما أن الأمن لم يعد عسكريا فقط. الهجمات الرقمية أصبحت أداة ضغط خطيرة. تعطيل الكهرباء والمصارف والاتصالات يساوي في أثره ضربة عسكرية. من لا يحمي بنيته الرقمية يعرض أمنه القومي للخطر.

أنت تحتاج أيضا إلى خطاب سياسي صادق. لا تعد شعبك بما لا تستطيع حمايته. لا ترفع سقف التحدي دون أدوات. ربط الكلام بالقوة الواقعية هو أساس الاستقرار. القوة هنا ليست عدوانا. هي حماية للحدود وللقرار الوطني وللعيش الكريم.

النظام الدولي الحالي هش. يقوم على توازنات دقيقة. أي خطأ في الحساب قد يقود إلى دمار واسع. الأمم المتحدة نفسها أقرت أن أخطر لحظات التاريخ النووي حدثت بسبب سوء تقدير أو سرعة قرار. هذا يعني أن السلم القائم ليس آمنا بطبيعته. هو معلق على عقلانية البشر.

بعد اخير :

خلاصة القول، إذا بقيت الدول الضعيفة تراهن على الخطابات وحدها وتؤجل بناء قوتها فإنها تضع مستقبلها في يد الآخرين. النظام العالمى الان لا يحمي إلا من يملك أدوات الحماية. من لا يبني ردعه بيده يوقّع على هشاشة سيادته.

وأخيرًا، في عالم تحكمه القوة المطلقة لا مكان للغفلة ولا مساحة للأوهام. إما أن تملك ما يدافع عنك أو تصبح رقما في حسابات الأقوى.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾

ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 19 يناير 2026م
musapbrear@gmail.com

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *