المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. حين يُغلق باب الحلم: سقوط يانصيب البطاقة الخضراء ودفن وهم أمريكا المفتوحة ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
في ديسمبر 2025 علّقت الولايات المتحدة بشكل مفاجئ برنامج “تأشيرة التنوع” المعروف بـ«يانصيب البطاقة الخضراء»، بحجة إعادة تقييم إجراءات التدقيق الأمني. بدا القرار في ظاهره إدارياً تقنياً، لكنه في عمقه يحمل دلالات سياسية واستراتيجية أوسع، ترتبط بطبيعة التحولات التي تشهدها العقيدة الأمريكية في قضايا الهجرة والأمن والدور العالمي. فالبرنامج الذي أُنشئ عام 1990 لم يكن وليد نزعة إنسانية خالصة، بل جاء في سياق تاريخي خاص، عند لحظة الانتقال إلى نظام دولي أحادي القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث سعت واشنطن إلى توظيف الهجرة كأداة من أدوات القوة الناعمة والهندسة المجتمعية.

الرواية الرسمية التي صاحبت إنشاء البرنامج ركزت على “تنويع النسيج الديموغرافي” للهجرة الأمريكية وتصحيح اختلالات أحدثها قانون 1965، الذي فتح المجال واسعاً للهجرة العائلية والآسيوية. غير أن هذا التبرير الديموغرافي لا يكفي وحده لتفسير طبيعة البرنامج ووظيفته. في واقع الأمر، كان اليانصيب جزءاً من تصور أوسع يهدف إلى ربط مناطق جديدة بالنموذج الأمريكي، خصوصاً دول أوروبا الشرقية وإفريقيا، عبر فتح نافذة أمل فردية نحو “الحلم الأمريكي”، بما يعزز النفوذ الثقافي والسياسي للولايات المتحدة، ويخلق شبكات مصالح وولاءات غير مباشرة في دول المنشأ.

كما مثّل البرنامج وسيلة فعالة لضخ طاقات بشرية شابة ومتحفزة في الاقتصاد الأمريكي، دون تكاليف انتقاء صارمة أو برامج استقطاب معقدة. لقد كان يقوم على فكرة أن التنوع ذاته قيمة استراتيجية، وأن صورة أمريكا كـ“أرض الفرص المفتوحة” هي عنصر قوة لا يقل أهمية عن تفوقها العسكري أو الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، منح واشنطن مرونة جيوسياسية واضحة، إذ إن إدراج دولة أو استبعادها من قائمة الدول المؤهلة لم يكن قراراً محايداً تماماً، بل أداة ضغط ناعمة يمكن توظيفها لتحقيق مكاسب سياسية أو أمنية.

تعليق البرنامج في 2025 يعكس انقلاباً في هذه الفلسفة. فالأولوية اليوم باتت للأمن القومي بمعناه الصارم، في عالم تتزايد فيه المخاوف من الجريمة العابرة للحدود والهجمات السيبرانية والتغلغل غير المرئي. كما أن التحول من منطق العولمة المفتوحة إلى منطق التنافس بين القوى الكبرى، خصوصاً مع الصين، أعاد توجيه بوصلة الهجرة نحو استقطاب العقول فائقة التخصص فقط، عبر تأشيرات مهنية دقيقة، أكثر قابلية للضبط وأكثر وضوحاً من حيث العائد الاقتصادي المباشر.

يضاف إلى ذلك أن المناخ السياسي الداخلي الأمريكي لم يعد متسامحاً مع برامج تقوم على القرعة والعشوائية، في وقت ينتظر فيه ملايين المهاجرين الآخرين سنوات طويلة عبر مسارات قانونية أكثر تعقيداً. وفي ظل الضغوط المالية العالمية وتضخم المديونية، باتت واشنطن تعيد تقييم كل أدوات “كرمها الاستراتيجي” بمنطق الربح والخسارة، فلم يعد برنامج يقوم على الرمزية والتأثير المعنوي كافياً لتبرير ما يُصوَّر على أنه مخاطرة أمنية محتملة.

بعد اخير :

خلاصة القول، لا يمكن فهم “يانصيب البطاقة الخضراء” كبرنامج هجرة عادي، بل كمرآة لمرحلة تاريخية كاملة كانت ترى في التنوع رسالة وفي الانفتاح قيمة بحد ذاتها. تعليقه اليوم هو إعلان غير مباشر عن نهاية تلك المرحلة، وبداية زمن جديد تُختزل فيه الهجرة إلى أداة تكتيكية تخدم حسابات الأمن والمنافسة الاقتصادية البحتة.

واخيراً، إنه انتقال من تصور للهجرة بوصفها استثماراً طويل الأمد في الصورة العالمية للولايات المتحدة، إلى تصور ضيق يقيس كل خطوة بميزان المخاطر والعائد المباشر، بما يعكس طبيعة النظام الدولي المتشظي، حيث لم تعد الرسائل الرمزية كافية، ولا تُقبل السياسات التي لا تحمل نفعاً سريعاً وقابلاً للقياس.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾

ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأربعاء | 21 يناير 2026م
musapbrear@gmail.com

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *