المندرة نيوز

د. عبدالعزيز الزبير باشا يكتب.. بيان في ضبط المفاهيم وصون هيبة الدولة

الخرطوم=^المندرة نيوز^
بيان عاجل من د. عبدالعزيز الزبير باشا
بسم الله الرحمن الرحيم
بيان في ضبط المفاهيم وصون هيبة الدولة
في خضم ما يمرّ به السودان من محنة وطنية غير مسبوقة، يصبح واجبًا على كل ذي مسؤولية فكرية أو سياسية أن يُميّز بين مقتضيات السلام ومخاطر الانفلات، وبين ما قُدِّم بوصفه حلًا مرحليًا، وما تحوّل – بحكم الممارسة – إلى إشكال بنيوي يهدد فكرة الدولة ذاتها.

لقد جاء اتفاق جوبا للسلام في سياق تاريخي معقّد، استهدف – من حيث المبدأ – إنهاء النزاعات المسلحة وفتح مسار الإدماج الوطني. غير أن التطبيق العملي لبعض بنوده أفرز تشوهات خطيرة لم تعد قابلة للتجاهل، لا سيما حين تتقاطع السياسة مع الرمزية السيادية، وحين تُمسّ هياكل الدولة الأكثر حساسية.

*أولًا: إشكالية التمثيل وفرض الواقع السياسي*

لا يخفى على أحد أن جزءًا من القوى المنبثقة عن اتفاق جوبا لم يتكوّن عبر مسار تفويض شعبي مباشر، بل عبر تسوية سياسية فوقية فُرضت بحكم الضرورة آنذاك. ومع تغيّر الظروف، واستبدال منطق “إيقاف الحرب” بمنطق “حماية الدولة”، يصبح من المشروع إعادة تقييم:
• مدى استمرارية هذه الصيغة،
• وحدود مشروعيتها الوظيفية،
• وتأثيرها على التوازن الوطني العام.

فالدولة لا تُدار إلى ما لا نهاية بمنطق الاستثناء، ولا تُبنى الشرعية الدائمة على ترتيبات مؤقتة.

*ثانيًا: خطورة تسييل الرموز العسكرية خارج مؤسساتها*

من أخطر ما أفرزته الممارسات الأخيرة، التوسع في منح الرتب أو الألقاب العسكرية خارج الأطر المؤسسية للقوات المسلحة السودانية، رغم الاتفاق الصريح على العمل تحت مظلتها ووفق هرمها القيادي.

وهنا لا يتعلق الأمر بأشخاص أو نوايا، بل بمبدأ سيادي واضح:

الرتبة العسكرية ليست مكافأة سياسية، ولا أداة رمزية، بل وظيفة سيادية منضبطة بسلسلة قيادة واحدة، وقانون واحد، ومؤسسة واحدة.

أي تجاوز لهذا المبدأ – مهما كانت مبرراته – يفتح الباب أمام:
• ازدواجية السلاح،
• تمييع الانضباط،
• وإضعاف هيبة القوات المسلحة بوصفها العمود الفقري للدولة.

*ثالثًا: الدولة لا تُدار بمنطق الترضيات*

إن منح الرموز، أو المناصب، أو الألقاب، خارج سياق الدولة المؤسسي، قد يُنتج هدوءًا مؤقتًا، لكنه يزرع ألغامًا استراتيجية مؤجلة.
فالتجربة السودانية – وغيرها – أثبتت أن:
• الترضيات لا تصنع ولاءً دائمًا،
• والتنازلات غير المنضبطة لا تنتج استقرارًا،
• وتسييس المؤسسات السيادية يُفضي في النهاية إلى تقويضها.

السلام الحقيقي لا يقوم على توسيع الاستثناءات، بل على إغلاقها تدريجيًا حتى تعود الدولة إلى شكلها الطبيعي.

*رابعًا: واجب المراجعة لا يعني نقض السلام*

إن الدعوة إلى ضبط مسار اتفاق جوبا، أو مراجعة بعض تطبيقاته، لا تعني الدعوة إلى نقضه أو العودة إلى مربع الحرب.
بل هي دعوة مسؤولة إلى:
• تصحيح الانحرافات،
• إعادة الاعتبار للمؤسسات،
• ومنع تحول الحلول المؤقتة إلى أزمات دائمة.

فالسلام الذي لا يحترم الدولة، يتحول مع الوقت إلى عبء عليها.

*خامسًا: لحظة إعادة التوازن*

اليوم، والسودان يخوض معركة وجود ضد ميليشيا متمردة، ويشهد التفافًا شعبيًا غير مسبوق حول القوات المسلحة، لم يعد مقبولًا استمرار أي ممارسات:
• تُربك وحدة القيادة،
• أو تُشوّش المرجعية العسكرية،
• أو تُقدّم رمزية موازية خارج إطار الدولة.

إن وحدة القرار، ووحدة السلاح، ووحدة المرجعية، ليست شعارات، بل شروط بقاء.

*خاتمة: نحو دولة واحدة بمعايير واحدة*

ليس المقصود من هذا البيان توجيه الاتهام، ولا استدعاء الخصومات، بل دق ناقوس المسؤولية.
فالدولة التي تُسامح في المبادئ السيادية، ولو بحسن نية، تدفع الثمن مضاعفًا لاحقًا.

إن السودان اليوم بحاجة إلى:
• سلام منضبط،
• شراكات سياسية محددة السقف،
• ومؤسسات سيادية لا تُدار إلا بقانون الدولة.

وما دون ذلك، مهما بدا مريحًا في اللحظة، لن يكون إلا تأجيلًا لأزمة أكبر.

*الدولة تُبنى بالوضوح…*
والوضوح يبدأ من احترام مؤسساتها و حدودها….

*وطن ومؤسسات*
*السودان أولاً وأخيراً*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا*
*20/01/26*

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *