الخرطوم=^المندرة نيوز^
لم يعد السؤال اليوم هو “هل تنجح الرأسمالية؟”، بل “هل يمكن للتحالف الذي بني عليها الصمود أكثر؟”. فبعد عقود من الهيمنة المطلقة التي تلت سقوط جدار برلين، يجد “نادي الكبار” نفسه اليوم أمام تصدعات داخلية وخارجية لم يسبق لها مثيل، تجعل من فرضية “التفكك” مادة دسمة على طاولات صناع القرار.
تمهيد: نهاية “شهر العسل” العالمي
لسنوات طويلة، كان التحالف الرأسمالي العالمي يسير وفق بوصلة واضحة: الأسواق المفتوحة، العولمة الجارفة، وقيادة أمريكية لا تنافس. لكن اليوم، يبدو أن هذا التحالف بدأ يفقد بوصلته. من واشنطن التي ترفع شعار “أمريكا أولاً”، إلى بكين التي تقدم نموذجاً رأسمالياً “بقبضة حديدية”، وصولاً إلى الشوارع الأوروبية الغارقة في التضخم؛ يظهر بوضوح أن الإجماع القديم قد انتهى.
أولاً: قومية المصلحة تقتل “روح العولمة”
إن أكبر طعنة تلقاها التحالف الرأسمالي لم تأتِ من أعدائه، بل من قلبه النابض. العودة القوية لسياسات “الحماية التجارية” بين الحلفاء أنفسهم (مثل التوترات التجارية بين أمريكا وأوروبا حول دعم الصناعات الخضراء) تشير إلى أن “الأنانية القومية” باتت تتقدم على التضامن الرأسمالي. لم تعد التجارة الحرة هي المقدس الأول، بل أصبح “تأمين سلاسل التوريد” والسيادة الوطنية هما المحركين الأساسيين.
ثانياً: زلزال “بريكس” واهتزاز عرش الدولار
لا يمكن قراءة مشهد التفكك دون النظر إلى الصعود المتسارع لمجموعة “بريكس+”. هذا التكتل ليس مجرد تحالف اقتصادي، بل هو محاولة جادة لكسر “احتكار” التحالف الرأسمالي الغربي للمنظومة المالية العالمية. السعي الحثيث لإيجاد بدائل للدولار في التعاملات التجارية هو بمثابة سحب بساط القوة من تحت أقدام التحالف التقليدي، مما ينذر بنشوء نظام مالي ثنائي القطب لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة.
ثالثاً: انفجار الداخل.. الفجوة التي لا تُردَم
داخلياً، تعاني الرأسمالية من أزمة شرعية. الأرقام لا تكذب؛ فالتفاوت الطبقي وصل إلى مستويات “انفجارية”. عندما تصبح ثروة حفنة من المليارديرات توازي ميزانيات دول بأكملها، يبدأ العقد الاجتماعي بالتآكل. هذا التآكل غذى التيارات الشعبوية التي ترفض النظام الرأسمالي التقليدي وتطالب بتدخل الدولة، مما يعني عملياً “تفكيك” الليبرالية الاقتصادية من الداخل لصالح نماذج أكثر انغلاقاً.
بعد اخير :
خلاصة القول، نحن لا نشهد بالضرورة “موت” الرأسمالية كنظام اقتصادي، بل نشهد تفكك التحالف العالمي الذي كان يديرها. العالم يتجه نحو “رأسماليات متعددة” ومتصارعة؛ رأسمالية ديمقراطية تكافح من أجل البقاء، ورأسمالية دولة صاعدة تفرض شروطاً جديدة.
وأخيرا، إن أوان التفكك قد لا يكون قد حان بالمعنى النهائي، لكن “الصدع” أصبح كبيراً لدرجة أن عمليات الترميم التقليدية لم تعد تجدي نفعاً. نحن نعيش في مرحلة “المخاض الكبير” لنظام عالمي جديد، ملامحه لم تكتمل بعد، لكنها بالتأكيد لن تكون تشبه عالم ما قبل عام 2020.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
السبت | 24 يناير 2026م






