المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب: ترميم البشر قبل الحجر.. لماذا تخلت (الصحة) عن خطة الإعمار الشامل الآن ..؟!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
في خضمّ الأمواج المتلاطمة التي تعصف بالواقع السوداني، يبرز القطاع الصحي كأحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، حيث تتجاذب المشهدَ رؤيتان: إما الغرق في انتظار “إعادة الإعمار” الشامل لما دمرته الحرب، أو السباحة بذكاء نحو شاطئ “التعافي” عبر تدخلات واقعية ومدروسة. وهنا، يطرح المراقب للشأن السوداني تساؤلاً جوهرياً حول التحول الاستراتيجي الأخير لوزارة الصحة الاتحادية، التي بدأت تميل كفتها بوضوح نحو تبني “خطط التعافي وإعادة التأهيل” بدلاً من شعارات إعادة الإعمار الكبرى؛ هل جاء هذا التحول نتيجة فراغ تخطيطي وغياب لاستراتيجية إعمار حقيقية؟ أم أن هناك قراءة أعمق للواقع فرضت هذا المسار؟

عند الغوص في تفاصيل المشهد، واستناداً إلى الرؤية التي طرحها وزير الصحة الاتحادي الدكتور هيثم محمد إبراهيم، يتضح أن هذا التحول ليس هروباً من استحقاقات الإعمار، بل هو انحياز لـ “فقه الواقع” حيث إن المتابع الحصيف يدرك بان الصحة الاتحادية بدأت تتعلم الواقعية من صحة ولاية الخرطوم. فالدافع الحقيقي لهذا التحول يكمن في نتائج التقييم الميداني الدقيق، الذي كشف مفاجأة سارة وسط الركام؛ وهي أن الهياكل الخرسانية والبنية الأساسية للمؤسسات الصحية لم تدمر بالكامل كما تصوره الأرقام المتشائمة، بل تضررت جزئياً وتحتاج إلى صيانة وتأهيل. هذا الاكتشاف جعل من خيار “التعافي المتدرج” هو الخيار الأذكى والأسرع والأقل تكلفة لضمان عودة الخدمات للمواطن الذي لا يملك رفاهية انتظار مشاريع الإعمار الكبرى التي قد تستغرق سنوات.

إن استراتيجية “التعافي” هذه لم تأتِ من فراغ، بل ولدت من رحم الأزمة لتتحول إلى فرصة تاريخية لإصلاح تشوهات النظام الصحي القديم. فقد أجبرت الحربُ الوزارةَ على تفتيت مركزية الخدمات التي كانت تخنق الخرطوم، والانطلاق نحو نظام لا مركزي حقيقي يغطي الولايات، وهو ما تجلى في طرح 40 مشروعاً صحياً جديداً، وتوطين الصناعة الدوائية لتقليل فاتورة الاستيراد، والاعتماد على الطاقة الشمسية لضمان استمرار الخدمة. إنه تحول من “إدارة الأزمة” إلى “بناء نظام مرن” قادر على الصمود، حيث ارتفعت وفرة الدواء إلى 70%، وزادت تغطية التطعيم، ليس بفضل الأموال الضخمة، بل بفضل الإدارة الرشيدة للموارد الشحيحة والشراكات الذكية مع منظمات وطنية ودولية مثل منظمة “سابا” وغيرها ممن سدوا الفجوات الحرجة.

لكن التحدي الأكبر الذي يواجه هذه الاستراتيجية لا يكمن في الحجارة والمباني، بل في “البشر”. فالهجرة الطبية للكوادر المؤهلة باتت تشكل خطراً يفوق دمار الحرب، وهنا تبرز حكمة التحول نحو “التعافي” الذي يركز على الإنسان قبل المكان، عبر محاولة استعادة نظام التأمين الصحي ليكون الرافعة المالية التي تخفف العبء عن كاهل المواطن وتضمن استبقاء الكوادر الطبية. فالتعافي الحقيقي يبدأ عندما يجد الطبيب بيئة عمل صالحة، ويجد المريض دواءً بسعر محتمل، وهي معادلة لا يمكن تحقيقها بانتظار المنح الدولية لإعادة الإعمار، بل بتفعيل الموارد الذاتية وإصلاح الخلل الهيكلي.

بعد اخير :

خلاصة القول، إن استراتيجية وزارة الصحة لم تتغير لغياب الرؤية، بل لأن الرؤية أصبحت أكثر نضجاً وواقعية بعد تجربة التعافى الناجحة التى طبقتها بنجاح صحة الخرطوم. نحن اليوم لا نتحدث عن ترقيع ثوب قديم، بل عن نسج نظام صحي جديد، أكثر عدالة وتوزيعاً، يخرج من رحم المعاناة قوياً ومعافى.

واخيراً، إن الطريق نحو المستقبل لا يتطلب بالضرورة مبانٍ شاهقة جديدة في الغد القريب، بل يتطلب نظاماً صحياً “حياً” يتعافى يومياً، يضمن لكل طفل سوداني جرعة لقاح، ولكل مريض سرير استشفاء، مؤسساً لمرحلة قادمة عنوانها “الصحة المستدامة” التي لا تهزها رياح الأزمات، ليكون القطاع الصحي هو القاطرة التي تقود السودان نحو استقرار شامل ومأمول.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾

ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 26 يناير 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *