المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. نفوق الفئران في السودان: حين يفضح الموت الصامت اختلال البيئة ويطلق جرس إنذار صحي مبكر ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
شهد السودان في الأسابيع الأخيرة ظاهرة غير مألوفة تمثلت في النفوق الجماعي للفئران في عدد من الولايات، خاصة بالقرب من المجاري المائية والمناطق الزراعية والضواحي السكنية، ما أثار قلقًا واسعًا وسط المواطنين، وتكاثر الأسئلة حول أسباب الظاهرة ومخاطرها على الصحة العامة والمياه والغذاء. المشهد كان صادمًا: أعداد كبيرة من القوارض النافقة، روائح كريهة، ومخاوف شعبية من التلوث والأوبئة، وسط غياب تفسير علمي واضح في بدايات الأزمة.

لكن الورقة العلمية التي أعدها د. مصعب برير وآخرون (2026) جاءت لتقدم قراءة مختلفة وأكثر عمقًا، بعيدة عن التفسيرات السطحية التي حصرت الأمر في “تسمم” أو “حادثة عارضة”. الدراسة اعتمدت منهج تحليل الأسباب الجذرية (RCA)، وهو أسلوب علمي يُستخدم عالميًا في التحقيقات البيئية والصحية، لا للبحث عن السبب المباشر فقط، بل لفهم السلسلة الكاملة التي قادت إلى الحدث. النتائج كانت واضحة: النفوق الجماعي للفئران ليس نتيجة تسمم كيميائي مباشر، ولا وباء محدد، بل هو مظهر لانهيار بيئي تراكمي نتج عن انفجار عددي للقوارض ثم انهيارها بيولوجيًا.

ببساطة، البيئة فقدت توازنها. توقفت برامج مكافحة القوارض أو ضعفت بشدة، تراجعت أعداد المفترسات الطبيعية بسبب تدهور الغطاء النباتي والبيئة، وتوفرت مصادر غذاء ضخمة للفئران عبر النفايات والمخلفات الزراعية وسوء إدارة البيئة الحضرية. هذه العوامل أدت إلى تكاثر غير طبيعي للفئران، تجاوز قدرة البيئة على استيعابها، فحدث الإجهاد البيولوجي الجماعي، ثم النفوق الواسع.

هذا التفسير العلمي يتقاطع مع ما نُشر في عدد من التحقيقات الصحفية الموثوقة التي أشارت إلى اختلالات بيئية واضحة، وضعف في الخدمات البيئية، وتراجع أنشطة الوقاية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. الظاهرة، وفق هذا الفهم، ليست حادثة معزولة، بل نتيجة طبيعية لتراكمات طويلة من الإهمال البيئي وضعف الحوكمة في إدارة الصحة العامة والبيئة.

الخطر الحقيقي لا يكمن في الفئران النافقة وحدها، بل في الرسالة التي تحملها. في علم الصحة العامة، القوارض تُعد من أهم مؤشرات الإنذار المبكر. نفوقها الجماعي يعني أن النظام البيئي كله في حالة اختلال. ومعروف علميًا أن الفئران ناقلة لأمراض خطيرة مثل الطاعون والليبتوسبيروسيس وحمى هانتا، وأن الطفيليات التي تعيش عليها، كالبراغيث، لا تموت بموتها، بل تبحث عن عائل جديد، وغالبًا ما يكون الإنسان.

ما يحدث اليوم ليس مجرد “مشكلة فئران”، بل مؤشر أزمة بيئية وصحية أوسع، تتطلب معالجة علمية جادة، لا إجراءات وقتية أو تطمينات إعلامية فقط. الورقة العلمية توصي بوضوح بإنشاء نظام وطني للرصد البيئي، وإعادة تفعيل برامج المكافحة المتكاملة للقوارض، وتحسين إدارة النفايات، وتعزيز قدرات المختبرات، وتكثيف التوعية المجتمعية، باعتبارها حلولًا وقائية حقيقية تمنع تكرار الظاهرة بدل انتظار نتائجها.

بعد اخير :

خلاصة القول، نفوق الفئران في السودان ليس حدثًا عابرًا، بل رسالة تحذير من الطبيعة. قد تبدو فئران ميتة على ضفاف نهر أو في أطراف مدينة مشهدًا بسيطًا، لكنها في لغة العلم مؤشر خلل عميق في البيئة والصحة العامة.

وأخيرًا، التعامل مع الظاهرة بعقلية “التسكين” خطر، أما قراءتها علميًا والتعامل معها كجرس إنذار مبكر، فهو الطريق الوحيد لحماية الناس والمياه والغذاء. لأن الفئران قد تموت بصمت، لكن الأوبئة لا تفعل، والوقاية دائمًا أرخص من الكارثة.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾

ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأحد | 1 فبراير 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *