المندرة نيوز

وجه الحقيقة_ إبراهيم شقلاوي يكتب: الدولة بعد البندقية.. من يحتكر القوة؟

الخرطوم=^المندرة نيوز^
بعد كل حرب لا يُقاس النصر بما أُغلق من جبهات القتال، بل بما يُفتح من أسئلة وطنية مؤجلة، في مقدمتها: من يملك حق استخدام القوة في البلاد؟ فالحرب قد تتوقف عسكريًا، لكن الدولة لا تبدأ سياسيًا إلا حين تعود البندقية إلى موقعها الطبيعي داخل مؤسسة الجيش، لا فوق السياسة ولا خارج القانون. هنا في هذه المنطقة الرمادية بين نهاية القتال وبداية السيادة، يتحدد شكل الدولة الجديدة : إما كسلطة حاكمة تحتكر القوة وتخضع لها، أو كيان هش تديره توازنات السلاح لا منطق الشرعية.

في هذا السياق، يكتسب اجتماع لرئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مع لجنة تنسيق شؤون الأمن بولاية الخرطوم طابعًا استثنائيًا يتجاوز الاطمئنان الإداري . فهو يُقرأ سياسيًا باعتباره أول اختبار عملي لسؤال احتكار القوة بعد الحرب، وإعلانًا بأن ملف الأمن في العاصمة القومية بات في صميم معركة استعادة الدولة لنظمها و سيادتها.

دلالته الأكبر تكمن في توقيته ومكانه وسقفه السياسي، إذ يأتي في لحظة انتقالية تُختبر فيها قدرة السلطة على تحويل الانتصار العسكري إلى سيادة حقيقية، وعلى نقل الأمن من حالة الطوارئ المؤقتة إلى نظام دائم قائم على المؤسسية والضبط القانوني ومنع التفلتات الأمنية والظواهر السالبة.

التوجيهات الصادرة عن الاجتماع بشأن استحداث آليات رقابة إلكترونية، وتعزيز قدرات الأجهزة النظامية، وإنهاء المظاهر العسكرية داخل العاصمة، ومنع حركة العربات غير المقننة، وتأمين الأسواق ومواقع التجمعات، تعتبر إجراءات أمنية مهمة ،لكنها تقرأ كمحاولة لإعادة هندسة الحياة العامة في الخرطوم، وإخضاعه لمنطق الدولة لا لتوازنات السلاح.

لذلك احتكار القوة ليس إجراءً أمنيًا محضًا، بل فعل سيادي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فحين تستمر أدوات العنف خارج الإطار الرسمي، تتحول “الضرورة” التي فرضتها الحرب إلى بنية موازية دائمة، وتغدو الدولة قادرة على إعلان القوانين دون امتلاك القدرة الكاملة على فرضها وانفاذها ، ويصبح الأمن تفاوضيًا، والسيادة منقوصة، والقرار السياسي رهين ميزان القوة لا سلطة الدولة و المؤسسات.

وفي هذا السياق، لا يعيش السلاح بعد الحرب في فراغ، إنه محاط باقتصاد كامل من شبكات تمويل وتهريب وابتزاز ونفوذ محلي ووظائف اجتماعية بديلة عن الدولة. لذلك، فإن أي محاولة لنزع السلاح دون تفكيك هذا الاقتصاد إنما تنزع الطمأنينة وتُعيد إنتاج الحرب في صورة أكثر تعقيدًا.

الخلط بين نزع السلاح ونزع السياسة من السلاح يُعد من أخطر أخطاء ما بعد الحرب. فقد تُسلَّم البنادق، لكن إذا ظل السلاح رمزًا سياسيًا أو ورقة ضغط أو مصدر “حق إضافي” في الحياة السياسة ، فإن الدولة تظل أسيرة تمثيل مسلح مقنّع، وتبقى السياسة رهينة ذاكرة القوة لا قواعد المواطنة.

لذلك من المهم العمل علي نزع السياسة من السلاح ما يعني إنهاء شرعية الادعاء بأن القوة تمنح تمثيلًا، وحصر العمل السياسي في المجال المدني، وتجريد العنف من قدرته على التحول إلى رأسمال تفاوضي داخل الدولة.

وتزداد هذه الإشكالية إلحاحًا مع عودة حكومة د. كامل إدريس إلى العاصمة الخرطوم وبدء ممارسة مهامها التنفيذية من داخلها. فهذه العودة تعتبر إعلانًا بأن الجغرافيا السياسية للدولة قد استعادت مركزها، وأن السلطة لم تعد تُدار من خارج مركز القرار. وجود الحكومة في قلب العاصمة يضعها في مواجهة يومية مع تحديات الأمن والخدمات وإعادة البناء، ويحوّل الخرطوم إلى ساحة اختبار من منطق الحرب إلى منطق الدولة.

عليه فإن جوهر الموضوع لا يدور حول السلاح بوصفه أداة قتال، بل بوصفه سؤال دولة: كيف تتحول القوة من فعل استثنائي إلى وظيفة عامة؟ إن الإجراءات المعلنة مهما بدت صارمة أو حسّاسة، لا تُقرأ بوصفها نكرانًا لتضحيات حركات الكفاح المسلح أو المستنفرين من المقاومة الشعبية الذين حملوا عبء الدفاع عن الوطن في لحظاته الأكثر ظلمة.

بل بوصفها انتقالًا طبيعيًا من مرحلة حمت فيها الدولة بالسلاح، إلى مرحلة يجب أن تُحمى فيها بالقانون والإجراءات الضامنة لسلامة المواطنين. فالاعتراف بالدور التاريخي لهؤلاء لا يتناقض مع ضرورة إعادة السلاح إلى كنف الدولة، بل يكتمل بها، لأن بقاء القوة خارج الإطار المؤسسي يُفرغ التضحيات من معناها ويحوّل البطولة إلى عبء دائم على الوطن.

هذا وبحسب #وجه_الحقيقة فإن الدولة بعد البندقية: من يحتكر القوة؟ ليست صيغة عزل سياسي، بل صيغة إنقاذ وطني، تُعيد ترتيب العلاقة بين من قاتلوا، ومن يحكمون، ومن ينتظرون الأمان. فاحتكار الدولة للقوة ليس إقصاءً لأحد، بل حماية للجميع، وهو الجسر الوحيد الذي يعبر به المجتمع من ذاكرة الحرب إلى أفق السلام. وحين تُدار القوة بالقانون كما أُديرت يومًا بالطوارئ، يصبح الوطن قادرًا على أن يضم أبناءه كافة في ظل سيادة واحدة، وسلام لا تحرسه البنادق، بل تحميه دولة القانون.

دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 4 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *