المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب: بعد الاختراق التاريخي.. هل نترك مشروع مكافحة الملاريا لقمة سائغة للبيروقراطية؟

الخرطوم=^المندرة نيوز^
بعد فترات صعبة عاشها إنسان الخرطوم تحت وطأة الأوبئة، وبينما كانت حمى الضنك والملاريا تنهك الأجساد وتملأ ردهات المستشفيات، حقق مشروع “الخرطوم خالية من الملاريا” اختراقاً قياسياً أعاد الأمل وبث الطمأنينة في الشارع. هذا النجاح لم يكن مجرد صدفة، بل هو ثمرة عمل دؤوب كشف عنه التقرير الأخير للحملة الكبرى لمكافحة نواقل الأمراض، والتي امتدت في الفترة من منتصف أغسطس وحتى نوفمبر 2025.

الأرقام هنا تتحدث بلسان فصيح؛ فقد سجلت إصابات حمى الضنك انخفاضاً مذهلاً بنسبة 87%، متراجعة من ذروتها التي بلغت 4243 إصابة في الأسبوع إلى 552 إصابة فقط، بينما انحسرت الملاريا بنسبة 51%، وهي نتائج لم تكن لتتحقق لولا الملاحقة اللصيقة للبعوض في مكامنه، حيث انخفضت كثافة بعوض “الأيديس” المسؤول عن نقل الضنك بنسبة 90%، وبعوض “الكيولكس” بنسبة 73%، مما يعني أن العاصمة بدأت فعلياً في كسر حلقة الانتشار الكثيف التي كانت تهدد بانهيار صحي شامل.

إن إهمال هذه التدخلات أو التراخي في دعم فرق مكافحة نواقل الأمراض ليس مجرد تقصير إداري، بل هو مقامرة بأرواح الناس، لأن هذه النواقل هي “القاتل الأشد فتكاً” والأسرع انتشاراً في بيئتنا. عندما تغيب الميزانيات أو تتعطل آليات الرش والتفتيش المنزلي، نفتح الباب واسعاً لعودة الأوبئة بصورة أعنف مما كانت عليه، مما يكلف الدولة أضعاف ما تنفقه الآن على الوقاية.

التقارير الميدانية أثبتت أن تمكين المختصين، وتوفير المعينات من مبيدات وعربات، والنزول المباشر للمحليات، هو “الوصفة السحرية” التي منعت استيطان حمى الضنك بالولاية، وهو ما يتطلب منا اليوم تقديراً حقيقياً لهذه الكوادر الفنية التي تعمل في ظروف معقدة لتحقق هذه النتائج المذهلة التي نلمسها الآن في انخفاض حدة التبليغ بالمراكز الصحية.

لقد آن الأوان لنعترف بأن التعامل “البيروقراطي” العقيم مع المؤسسات الفنية ذات الخبرات التراكمية، مثل مشروع مكافحة الملاريا، هو أكبر عائق أمام استدامة هذه الانتصارات الصحية. هؤلاء الخبراء والعمال الذين يطاردون البعوض في “المجارير” والبيوت المهجورة لا ينبغي أن تضيع جهودهم في دهاليز الأوراق والطلبات المتكررة؛ بل يجب أن يكون هذا الجسم الفني قريباً من مركز اتخاذ القرار الأول بوزارة الصحة، بعيداً عن التعقيدات الإدارية التي تؤخر وصول الوقود أو المبيدات في التوقيت المناسب.

المحافظة على هذه الكوادر البشرية المؤهلة واستبقاؤها وتوفير استحقاقاتها ليس رفاهية، بل هو صمام أمان للخرطوم، خاصة مع الحاجة الماسة لتعيين مفتشات منازل جدد وسد النقص في العمالة لضمان استمرارية الزيارات الدورية والتفتيش الحشري.

إن استدامة هذا الإنجاز تتطلب رؤية شجاعة تنتشل مشروع “الخرطوم خالية من الملاريا” من دوامة الحلول المؤقتة إلى مأسسة العمل الوقائي وتوفير ميزانيات ثابتة لا تخضع للمساومات. البحث عن شركاء حقيقيين من القطاع الخاص والبنوك والمنظمات، لدعم أنشطة المكافحة وتوفير العربات والمعدات، هو السبيل الوحيد لضمان ألا نعود للمربع الأول عند أول هطول للأمطار أو طفح للمياه.

هذا المشروع أثبت كفاءته بالنتائج الملموسة على الأرض، وحان الوقت ليكون الأولوية القصوى في أجندة الدولة الصحية، بعيداً عن النمطية في الإدارة، وبقوة دفع تضمن وصوله إلى كل زقاق وحي في الخرطوم.

بعد اخير :

خلاصة القول، يجب أن يدرك الجميع أن ما تحقق في الأسابيع الماضية هو “معجزة فنية” تمت بإمكانيات محدودة وبسالة كبيرة من فرق العمل، وهي رسالة واضحة لمتخذي القرار بأن الاستثمار في “مشروع الخرطوم خالية من الملاريا” هو الاستثمار الأذكى والأوفر.

واخيراً، حماية هذا النجاح تعني حماية اقتصاد الأسرة السودانية التي تنهكها تكاليف العلاج، وحماية مستقبل الولاية من خطر الأوبئة العابرة، وهذا لا يتم إلا بإطلاق يد المختصين وتوفير المعينات اللازمة لهم فوراً، لنضمن بقاء الخرطوم آمنة، معافاة، وخالية من خطر النواقل الفتاكة.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾

ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 9 فبراير 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *