الخرطوم=^المندرة نيوز^
لم يكن استهداف قوافل برنامج الغذاء العالمي قرب الأبيض حادثاً عابراً، ولا “ضرراً جانبياً” في حرب عبثية كما يحاول البعض تصويره. كان فعلاً مقصوداً، محسوباً، وجزءاً من استراتيجية تجويع ممنهجة تنفذها ميليشيا الدعم السريع المتمردة منذ أكثر من عامين، وسط صمت دولي مخزٍ، وتواطؤ سياسي مقنّع.
لكن ما أعقب تلك الجريمة كشف ما حاول كثيرون إخفاءه طويلاً.
فبعد أيام قليلة، خرج إلى العلن ما يشبه الدليل الجنائي السياسي: معسكر تدريب سري في الأراضي الإثيوبية، يُدرّب آلاف المقاتلين لصالح ميليشيا الدعم السريع، بتمويل ودعم لوجستي وعسكري إماراتي، وفق تحقيق موسّع لوكالة رويترز استند إلى مصادر أمنية، ووثائق داخلية، وصور أقمار صناعية.
هنا، تسقط الرواية بالكامل.
لم تعد المسألة “صراعاً داخلياً”، ولا “حرباً أهلية معقدة”. نحن أمام عدوان متعدد الأطراف، تُدار خيوطه خارج الحدود، وتُغذّى ميليشياته بالمال والسلاح والتدريب، فيما يُترك المدني السوداني بلا غذاء ولا دواء… ثم يُطلب منه الصبر.
الأخطر من ذلك ليس فقط وجود المعسكر، بل توقيته وسياقه:
– استهداف قوافل الإغاثة.
– ثم كشف خطوط الإمداد والتدريب العابرة للحدود.
– ثم إعادة عضوية السودان في الإيقاد، في اعتراف صريح بشرعية الحكومة السودانية.
ومع ذلك… لا شيء.
لا إدانة دولية لاستهداف الإغاثة.
لا تعليق جاد على تقرير رويترز.
لا مساءلة لدول تموّل وتدرب ميليشيا متهمة بجرائم حرب.
هذا الصمت لم يعد حياداً، بل انحيازاً مقنّعاً.
المفارقة الفاضحة أن ذات المجتمع الدولي، الذي يطالب الدولة السودانية صباح مساء بـ“ضبط النفس” و“الالتزام بالقانون الدولي”، يعجز – أو يرفض – أن يسمي الأشياء بأسمائها حين تُقصف شاحنات الغذاء، أو حين يُدرَّب المرتزقة على حدود دولة ذات سيادة.
أما داخلياً، فالإشكال لا يقل خطورة.
لدينا أخبار “رسمية” تتعامل مع هذه التطورات كوقائع عابرة، بلا ربط، بلا سياق، وبلا استثمار سياسي أو قانوني. كأن استهداف الإغاثة منفصل عن المعسكرات، وكأن المعسكرات منفصلة عن الرعاة، وكأن إعادة عضوية السودان في الإيقاد مجرد خبر بروتوكولي لا قيمة له.
وهذا خطأ استراتيجي.
ما حدث يوفّر حزمة متكاملة:
• جريمة موثقة ضد العمل الإنساني
• دليل على الدعم الخارجي للميليشيا
• اعتراف إقليمي بشرعية الدولة
• وانكشاف فجّ لازدواجية المعايير الدولية
هذه ليست أخباراً… هذه أدوات ضغط.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
كيف يطالب العالم بحماية المدنيين، بينما يصمت على من يموّل من يجوّعهم؟
وكيف يتحدث عن “عملية سياسية”، بينما يُدرَّب المرتزقة في معسكرات سرية على حدود السودان؟
إن معركة السودان اليوم ليست فقط في الميدان، بل في سردية الصراع. ومن لا يملك السردية، سيُحمَّل دائماً وزر الجريمة، حتى وهو الضحية.
الوقت ليس وقت بيانات قلق، ولا لغة رمادية.
الوقت وقت تسمية، وربط، ومواجهة سياسية وقانونية واضحة.
فمن يصمت على الجريمة… شريك فيها.
ومن يموّل الميليشيا… لا يحق له لعب دور الوسيط.
ومن يعترف بشرعية الدولة… عليه أن يتصرف وفق هذا الاعتراف، لا أن يتركها وحيدة في مواجهة المرتزقة ورعاتهم.
التاريخ لا ينسى،
والوقائع حين تتراكم… تُدين.
*وطن ومؤسسات*….
*السودان أولاً وأخيراً*….
*د. عبدالعزيز الزبير باشا*….
*10/02/26*







