الخرطوم=^المندرة نيوز^
في مرحلة ما بعد الحرب، لا تملك الدول رفاهية التجريب العشوائي أو إهدار الموارد الشحيحة، فكل خطوة يجب أن تكون محسوبة بميزان من ذهب. من هنا تنبع العبقرية في فكرة “النمذجة” التي تبنتها وزارة الصحة الاتحادية مؤخراً؛ فهي ببساطة تعني أن نصنع “بروفة” نجاح حقيقية في بقعة جغرافية محددة، نختبر فيها شكل المستشفيات والمراكز، ونقيس الأخطاء ونعالجها، ثم نعمم التجربة الناضجة على بقية السودان. هذا النهج يجنبنا تعميم الفشل، ويضمن أننا حين نبني، فإننا نبني ليبقى.
اختيار ولاية القضارف لتكون هي “المسطرة” والنموذج الذي سيُقاس عليه النظام الصحي السوداني لم يأتي من فراغ أو مجاملة. فهذه الولاية استطاعت وسط عواصف الحرب أن تقدم درساً بليغاً في الثبات، واستقبلت الموجات البشرية الهائلة من الوافدين دون أن ينهار نظامها الصحي، بل طوّرته. لذا كان طبيعياً أن يعلن وكيل وزارة الصحة د. علي بابكر سيداحمد من قلب القضارف عن تدشين (6) مراكز صحية نموذجية كبداية عملية، لأن الأرضية هناك صلبة، والإرادة الإدارية أثبتت أنها قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، مما يجعل نجاح النموذج هناك مؤشراً قوياً لنجاحه في الخرطوم أو الجزيرة أو دارفور لاحقاً.
ولأن الصحة ليست مجرد “دواء وحقنة” بل هي بيئة متكاملة، جاءت الالتفاتة الذكية خلال زيارة السيد الوكيل بربط الصحة العامة بنظافة البيئة، حينما تم تدشين مبادرة البنوك لإسناد عمال النظافة ببلدية القضارف. هذه الخطوة تحمل رسالة عميقة مفادها أن عامل النظافة هو “جندي الصحة الأول”، وأن دعم هؤلاء البسطاء هو استثمار مباشر في الطب الوقائي، فالمدينة النظيفة تعني مستشفيات أقل ازدحاماً بالأوبئة.
بعد اخير :
خلاصة القول، إن ما يحدث في القضارف الآن ليس مجرد زيارة بروتوكولية للسيد وكيل وزارة الصحة، بل هو وضع لحجر الأساس لاستراتيجية 2026م. نحن أمام تجربة عملية تؤسس لنظام صحي لا يعتمد على ردود الأفعال، بل على التخطيط الاستباقي الذي يحترم كرامة المريض السوداني ويقدم له خدمة متساوية الجودة أينما كان.
وأخيرًا، تبقى الرسالة الأهم في بريد القائمين على الأمر، أن هذا “النموذج” هو الأمل الذي نتمسك به. فنجاح التجربة في القضارف يعني أننا نمتلك المفتاح لإعادة بناء ما دمرته الحرب في كل ربوع الوطن، بنظام صحي قوي، عادل، ومستدام.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
السبت | 14 فبراير 2026م







