المندرة نيوز

د.عبدالعزيز باشا يكتب …بيان مجلس السلم والأمن: بين اللغة الدبلوماسية وأجندات ما وراء السطور

الخرطوم =^المندرة نيوز^
البيان الصادر عن مجلس السلم والأمن في اجتماعه الوزاري رقم 1330 يبدو، في ظاهره، وثيقة توازن: تأكيد على سيادة السودان، إدانة لانتهاكات ميليشيا الدعم السريع المتمردة، دعوة لوقف إطلاق النار، وترحيب بمبادرة وطنية للسلام. لكن القراءة السطحية في السياسة خطأ قاتل. النصوص الدولية لا تُقرأ بما تقوله فقط، بل بما تمهّد له.

لنضع الأمور على الطاولة بلا تجميل.

*أولاً: تثبيت السيادة… مع وضعها تحت الوصاية*

البيان يبدأ بتأكيد احترام استقلال السودان وسيادته وسلامة أراضيه. صياغة جميلة، لكن في الفقرة ذاتها تقريباً يتم الدفع نحو “عملية يقودها الاتحاد الإفريقي بالتنسيق مع إيغاد والأمم المتحدة والرباعية والخماسية”.

عندما تُوسَّع دائرة “الرعاية”، تُضيق دائرة القرار الوطني.

هذا ليس دعماً خالصاً؛ بل إعادة تموضع تجعل المسار السياسي السوداني محكوماً بشبكة من الوسطاء، لكل منهم حساباته الخاصة. السيادة هنا تُحاط بإطار رقابي متعدد الأطراف، لا يُسمّى وصاية لكنه يعمل كوصاية ناعمة.

*ثانياً: إدانة ميليشيا الدعم السريع المتمردة… بلا أدوات تنفيذ*

البيان أدان صراحة الانتهاكات في الفاشر ونسبها إلى قوات الدعم السريع. هذا تطور مهم على مستوى الخطاب. لكنه يظل إدانة أخلاقية غير مُلحقة بآليات.

لا لجنة تحقيق إفريقية مستقلة.
لا توصية بعقوبات.
لا جدول زمني للمساءلة.

الإدانة دون إجراءات هي رسالة ضغط سياسية، وليست خطوة ردع فعلية. وهي تمنح المجلس موقع “المحايد الأخلاقي” دون أن يتحمل كلفة المواجهة مع الداعمين الإقليميين للميليشيا.

*ثالثاً: عبارة “لا حل عسكري” … القيد المسبق*

أخطر ما في البيان ليس ما قيل عن الانتهاكات، بل ما قيل عن الحل.

*“لا يوجد حل عسكري قابل للاستمرار.”*

هذه العبارة تُستخدم في العادة عندما يكون هناك طرف يحقق تقدماً ميدانياً. هي ليست وصفاً محايداً للواقع؛ بل محاولة لضبط إيقاعه. بمعنى أوضح: تثبيت النزاع في حالة توازن سياسي قبل أن يُحسم ميدانياً.

في السياق السوداني، هذا قد يعني عملياً حماية الكتلة المسلحة المتمردة من الانهيار الكامل، عبر فرض هدنة مبكرة تسبق استعادة الدولة لاحتكار القوة.

التاريخ الإفريقي مليء بنماذج “تجميد النزاعات” بدل حلها. والنتيجة دائماً: دولة ضعيفة، ميليشيات باقية، وانتخابات شكلية.

*رابعاً: الاستعجال في الانتقال المدني*

الدعوة إلى “الاستعادة العاجلة والكاملة لحكومة مدنية منتخبة” تبدو منسجمة مع مبادئ الاتحاد الإفريقي. لكن السياسة لا تُدار بالمبادئ المجردة.

السؤال البديهي: كيف تُجرى انتخابات حقيقية في ظل وجود سلاح خارج سيطرة الدولة؟
ترتيب الأولويات في البيان يوحي بأن العملية السياسية يمكن أن تسبق الحسم الأمني. وهذه مخاطرة استراتيجية.

انتقال مدني فوق أرض غير مستقرة يعني هشاشة مزمنة، لا ديمقراطية راسخة.

*خامساً: الترحيب بالمبادرة الوطنية… ومحاولة احتوائها*

البيان رحّب بالمبادرة الوطنية للسلام التي قدمها رئيس الوزراء الانتقالي. ظاهرياً، هذا اعتراف بالملكية السودانية للعملية. لكن الترحيب جاء مشروطاً بمواءمتها مع “خريطة طريق الاتحاد الإفريقي”.

بمعنى آخر: المبادرة مقبولة طالما اندمجت ضمن الإطار الإفريقي الأشمل.

هذا احتواء ذكي. لا رفض مباشر، بل إعادة صياغة المسار ليصبح جزءاً من هندسة إقليمية أوسع.

*سادساً: تعدد المسارات… تضارب المصالح*

الإشارة إلى التنسيق مع إيغاد، الأمم المتحدة، الرباعية، الخماسية، والدول المجاورة ليست تفصيلاً بروتوكولياً. هي مؤشر على تعدد مراكز التأثير.

كل مسار يحمل أجندته:
– بعضهم يركز على الاستقرار بأي ثمن.
– بعضهم يريد إعادة ترتيب موازين القوى.
– بعضهم يسعى لتأمين مصالح بحرية أو اقتصادية.

وعندما تتكاثر الطاولات، تتشظى الأولويات.

السودان في هذه الحالة قد يتحول من صاحب ملف إلى بند على أجندات متعددة.

*ما وراء النوايا الحسنة*

لا أحد في السياسة يعمل بدافع إنساني خالص. الاتحاد الإفريقي معنيّ بمنع سابقة انهيار دولة مركزية كبرى في القرن الإفريقي. الدول المجاورة تخشى ارتدادات أمنية. القوى الإقليمية تريد ضبط موازين النفوذ في البحر الأحمر وحوض النيل.

المسألة إذن ليست إنقاذ السودان فقط، بل منع اختلال إقليمي أوسع.

وهنا تكمن النية غير المعلنة:
تثبيت وضع يمكن التحكم به، لا بالضرورة وضع يحسم جذور الأزمة.

*الخلاصة*

البيان ليس عدائياً للسودان، لكنه ليس بريئاً بالكامل أيضاً.

هو يمنح الخرطوم أدوات دبلوماسية مهمة — خاصة في إدانة ميليشيا الدعم السريع المتمردة — لكنه في الوقت نفسه يحاول ضبط سقف الحركة العسكرية والسياسية للدولة، وإدخال العملية ضمن شبكة رعاية متعددة الأطراف.

المطلوب ليس رفض البيان ولا التسليم به، بل التعامل معه بذكاء سيادي:

– استثمار الإدانة قانونياً ودولياً.
– رفض أي هدنة تُجمّد التمرد دون تفكيكه.
– الحفاظ على ملكية سودانية حقيقية للمسار السياسي.
– منع تحوّل “الدعم الإقليمي” إلى إدارة خارجية غير مباشرة.

في السياسة، الكلمات لا تُكتب عبثاً.
وبيان كهذا لا يُصاغ لمجرد التعبير عن القلق… بل لإعادة ترتيب المشهد.

والسؤال الحقيقي: هل سيكون السودان لاعباً في إعادة الترتيب، أم موضوعاً له؟

*وطن و مؤسسات….*
*السودان أولا و أخيراً….*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا…..*

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *