الخرطوم=^المندرة نيوز^
معاوية السقا يفتح النار… وزارات الجزيرة في مرمى المساءلة فمن يجيب؟
وعلى حد قولي:
إذا نامَ المسؤولُ في برجِه
تكسّرتِ الأحلامُ عندَ السورِ
وإن ضاعَ الحقُّ بين المكاتبِ
تكلمَ الشعبُ بصوتِ الجمرِ
في مشهدٍ لا يحتمل التجميل، خرج الصحفي ابن ولاية الجزيرة معاوية سيف سعد الشهير بالسقا بطرحٍ صريحٍ لا يعرف المداراة، فاتحاً ملفات الأداء الحكومي على مصاريعها، وموجهاً سهام النقد إلى عدد من الوزارات التي يرى أنها أخفقت في القيام بواجبها تجاه المواطن.
السقا لم يتحدث بلغة العموميات، بل سمّى الأشياء بأسمائها، وطرح أسئلة مباشرة حول واقع الخدمات، وعلى رأسها ما يجري داخل وزارة الصحة بولاية الجزيرة، حيث تتصاعد شكاوى المواطنين من تدهور بيئة المستشفيات الحكومية، وفوضى أقسام الطوارئ، واتهامات متداولة إن صحت بشأن استغلال موارد عامة بصورة لا تنسجم مع اللوائح المنظمة للعمل الصحي.
أخطر ما تم تناوله يتعلق بواقع بعض المستشفيات الحكومية التي وصفها بأنها “تعوم في جحيم الفوضى”، في إشارة إلى الاكتظاظ، وضعف التنظيم، ونقص الكوادر أثناء ساعات الدوام الرسمي. كما أثيرت قضية إيجار الأسرة من خارج المؤسسة الصحية لخدمة مرضى الطوارئ، وهي مسألة إن ثبتت قانونياً فإنها تمثل خللاً إدارياً جسيماً يستوجب التحقيق والمحاسبة وفق القوانين المالية والإدارية.
السقا لم يتوقف عند البنية التحتية، بل فتح ملف هجرة الكوادر الطبية إلى المستشفيات الخاصة خلال ساعات العمل الرسمية. هذه الظاهرة، إن لم تكن منضبطة بضوابط واضحة، تضرب صميم العدالة الصحية، لأن الطبيب الذي يتقاضى راتبه من المال العام ملزم أخلاقياً ومهنياً بالوجود في موقع خدمته. أما أن يضج قسم الطوارئ بالإهمال بينما تتكدس العيادات الخاصة بالمرضى، فذلك خلل هيكلي لا يمكن تجاهله.
كما طُرحت تساؤلات حول توزيع الحوافز والامتيازات بين الأطباء، ومدى عدالة المعايير، وهل تتم وفق لائحة شفافة أم تخضع لاجتهادات شخصية. هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى بيان رسمي يوضح الحقائق للرأي العام، لأن الغموض في الملفات المالية يولد الشكوك، والشكوك تفتح باب فقدان الثقة.
ولم تكن وزارة الصحة وحدها في دائرة الضوء. فقد وجّه السقا نقداً مباشراً إلى وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة الثقافة والإعلام بولاية الجزيرة، متسائلاً عن أثر برامجها في واقع الفئات الضعيفة.
أين نتائج مشروعات الحماية الاجتماعية؟
كيف تُدار ملفات الدعم النقدي؟
وهل تصل المساعدات إلى مستحقيها وفق قاعدة بيانات دقيقة أم تُدار بعشوائية موسمية؟
التنمية الاجتماعية ليست نشاطاً احتفالياً ولا مؤتمرات صحفية، بل سياسات تمس حياة الأرامل والأيتام وذوي الإعاقة والأسر المتعففة. وأي قصور في هذا الملف ينعكس مباشرة على الاستقرار المجتمعي. النقد هنا لم يكن شخصياً، بل مؤسسياً، يطالب بتقييم شامل للأداء، ومراجعة آليات الاستهداف، وقياس الأثر الحقيقي للبرامج المنفذة.
السقا استدعى كذلك ما سبق تناوله حول بيئة العمل في عدد من الوزارات، من فوضى إدارية، وتراخي رقابي، وضعف متابعة ميدانية.
السؤال الذي يفرض نفسه:
هل توجد خطط تشغيلية واضحة لكل وزارة؟
وهل تُراجع مؤشرات الأداء بانتظام؟ أم أن العمل يسير بردود الأفعال؟
الكرة الآن في ملعب حكومة ولاية الجزيرة. الصمت لم يعد خياراً، لأن الرأي العام يتابع، والوقائع إن لم يتم نفيها بالأدلة تترسخ كحقيقة في وعي الناس. المطلوب ليس بيانات إنشائية، بل تقارير تفصيلية كم عدد الأطباء العاملين فعلياً في المستشفيات الحكومية خلال الدوام؟
ما نسبة التغطية في الطوارئ؟
كيف تُدار عقود الخدمات؟
ما حجم الصرف الفعلي مقارنة بالموازنة المعتمدة؟
المساءلة ليست خصومة، بل ضرورة إصلاح. وإذا كانت هناك تجاوزات، فالقانون كفيل بحسمها. أما إذا كانت الاتهامات غير دقيقة، فالتوضيح واجب لقطع الطريق أمام الشائعات.
الجزيرة ولاية ذات ثقل اقتصادي وبشري، ولا يليق بها أن تتصدر أخبار الإهمال الإداري. التجارب الناجحة في ولايات أخرى تثبت أن الإدارة الحازمة قادرة على تحويل الواقع خلال فترة وجيزة متى ما توفرت الإرادة السياسية والرقابة المؤسسية.
معاوية السقا طرح الطرح بصوتٍ عالٍ فهل من مجيب؟
السؤال مشروع، والإجابة يجب أن تكون عملية لا خطابية.
لمن الدور القادم؟
هل ستتحرك لجان التحقيق؟
هل ستُراجع اللوائح؟
أم سيظل الأمر في دائرة الأخذ والرد حتى تتآكل الثقة أكثر؟
المواطن في النهاية لا تعنيه الصراعات، بل يريد سريراً نظيفاً في مستشفى حكومي، وطبيباً في موقعه، ودعماً اجتماعياً يصل في وقته، وإدارة تحترم المال العام.
الملفات مفتوحة، والكلمات قيلت، والمسؤولية الآن على من بيدهم القرار.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة







