الخرطوم =^المندرة نيوز^
استبشرنا خيراً بالأخبار الواردة من أروقة وزارة الصحة الاتحادية حول وضع اللمسات الأخيرة للاستراتيجية الوطنية لمكافحة حمى الضنك، فالحديث عن “تخطيط” في خضم هذه الهشاشة الصحية هو بحد ذاته بارقة أمل تستحق التقدير، لكننا، وبواقعية من ذاق ويلات هذه الحمى “كاسرة العظام”، ندرك أن المعركة ضد البعوضة الزاعجة لا تُحسم داخل الغرف المغلقة أو عبر اجتماعات الوزير بالخبراء فحسب، بل في الشارع، ومصارف المياه، وداخل حيشان المنازل.
إن ما رشح في الإعلام الرسمي يركز على العناوين العريضة، إلا أن نجاح أي استراتيجية فعالة لمكافحة الضنك مرهون بفك الارتباط التقليدي الذي يحصر المسؤولية في “وزارة الصحة” وحدها؛ فالعالم اليوم، من سنغافورة إلى البرازيل، تجاوز الحلول الكيميائية العقيمة ومداخين الرش التقليدية، وانتقل إلى “الإدارة المتكاملة للنواقل” التي تعتمد على البيولوجيا والبيانات الدقيقة.
هنا يبرز السؤال الأهم الذي غاب عن قصاصات الأخبار: أين موقع بقية الشركاء في هذه الخارطة؟ فمكافحة الناقل هي مسؤولية الحكم المحلي في جمع النفايات، وهيئة المياه في إصلاح الكسور، والمواطن في سلوكه اليومي، والمزارع فى تجفيفه الاسبوعى، ولن تنجح خطة لا تحدد بدقة “من يفعل ماذا”، ولذلك فإننا نطالب وزارة الصحة بشجاعة مهنية أن تفرج عن المسودة النهائية الكاملة للخطة وتطرحها للرأي العام والمختصين، فالأخبار المقتضبة لا تسمن ولا تغني من جوع، ونحن بحاجة لقراءة التفاصيل الحقيقية للأدوار، والميزانيات، وآليات المحاسبة والتقييم، لنعرف هل هي خطة قابلة للتنفيذ أم مجرد حبرٍ أنيق على ورق فاخر.
بعد اخير :
خلاصة القول، إن “الجيش الأبيض” يقوم بمعجزات في علاج المرضى، وهذا دورهم الذي نرفع لهم فيه القبعات، لكن الاستراتيجية الناجحة هي التي تمنع المواطن من دخول المستشفى أصلاً، وهذا يتطلب أن تتحول هذه الأوراق إلى خطة عمل ميدانية شرسة يشارك فيها الجميع.
وأخيرًا، ننتظر أن نرى هذه الاستراتيجية واقعاً يمشي بيننا، تحمي أطفالنا وتؤمن بيوتنا، لا أن تظل حبيسة الأدراج تنتظر توقيعاً بروتوكولياً، فالبعوض لا ينتظر القرارات السياسية، والمرض لا يعرف المجاملة.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.






