المندرة نيوز

المناهج الدراسية في السودان تحصد (6.8%) من رضاء المواطنين.. “إستطلاع”

الخرطوم=^المندرة نيوز^
لم يعد الحديث عن المناهج الدراسية في المدارس السودانية نقاشاً نظرياً يُدار في قاعات مغلقة، ولا ترفاً فكرياً يقتصر على المختصين، بل أصبح سؤالاً وطنياً ملحاً يطرق أبواب كل بيت: ماذا نُعلّم أبناءنا حقاً؟ وهل تُغرس في عقولهم معاني الوطنية الصادقة، والانتماء الواعي، وحب الوطن المسؤول؟ أم أننا ما زلنا ندور في دائرة الحفظ والتلقين، نكدّس المعلومات ونغفل بناء الوعي، فنترك العقل بلا أدوات نقد، والضمير بلا بوصلة؟
في هذا السياق أعلن مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام، وهو مركز بحثي متخصص محايد ومستقل ، نتائج استطلاع رأي عام موسع حول واقع المناهج الدراسية في السودان، في ظل تصاعد الجدل المجتمعي حول جودة التعليم، ومستقبل الأجيال القادمة، ومدى قدرة المناهج الحالية على بناء إنساناً يفكر ويعمل وينتمي لوطنه عن معرفة لا عن شعارات.

وقد نُفذ الاستطلاع بصورة إلكترونية مفتوحة، بمشاركة واسعة من داخل السودان وخارجه، بلغ عددها 89023 مشاركاً، وشملت فئات متعددة من المواطنين وأولياء الأمور والمعلمين والطلاب والمهتمين بالشأن التعليمي. وجاءت النتائج واضحة في اتجاهاتها، دقيقة في أرقامها، وصريحة في دلالاتها، بما يعكس مزاجاً عاماً لا يمكن تجاهله على النحو ادناه:

1/لدى سؤال المشاركين عن مدى رضاهم العام عن المناهج الدراسية الحالية، أجاب 82% بأنهم غير راضين، فيما قال 11.2% إنهم محايدون، وأبدى 6.8% فقط رضاهم. هذه الأرقام تعني أن أربعة من كل خمسة مشاركين لا يرون في المناهج الحالية ما يطمئنهم على مستقبل أبنائهم.

2/وعند سؤالهم عن مقارنة المناهج الحالية بالمناهج في سنوات سابقة، رأى 69.2% أنها أضعف، و17.9% اعتبروها متقاربة، و8.2% قالوا إنها أفضل، فيما بلغت نسبة من لا يعلم 4.7%. المؤشر هنا واضح: الغالبية ترى تراجعًا لا تطورًا.

3/ ولدى سؤالهم عما إذا كانت المناهج الحالية مرتبطة بواقع حياة الطالب اليومية، أفاد 47.2% بأن الارتباط ضعيف، و24.6% بأنها غير مرتبطة إطلاقًا، و24.6% بأنها مرتبطة بدرجة متوسطة، و3.6% فقط بأنها مرتبطة بدرجة كبيرة. أي أن 71.8% يرون أن العلاقة بين التعليم والحياة إما ضعيفة أو منعدمة.
4/ وفيما يتعلق بإسهام المناهج في تقوية روح الانتماء والهوية الوطنية، قال 67.7% إنها لا تسهم، و26.1% إنها تسهم إلى حد ما، و6.2% فقط أكدوا أنها تسهم بوضوح. … وذلك يتضح ان النسبة الغالبة لا ترى في الكتاب المدرسي أداة لبناء الهوية الوطنية.

5/وعند سؤالهم عن مدى كفاءة المناهج في تعزيز مفاهيم التسامح وقبول الآخر ونبذ الكراهية، رأى 59.3% أنها لا تعزز هذه المفاهيم، و27.9% غير متأكدين، و12.8% فقط قالوا إنها تعززها. وبالتالي فإن أكثر من نصف المشاركين لا يلمسون أثرًا قيمياً واضحاً.
6/ أما بشأن ترسيخ السلوك القويم والأخلاق الحميدة، فقد رأى 42.7% أن الإسهام ضعيف، و15.8% أنه لا يوجد إسهام مطلقًا، و34.6% اعتبروا الإسهام متوسطًا، و6.9% فقط رأوه كبيرًا. الأرقام هنا تكشف تباينًا، لكن الغلبة للاتجاه الناقد.

7/ وعند سؤالهم عما إذا كانت المناهج قد استُخدمت بعد 2019 كأداة للتغيير الفكري أكثر من كونها وسيلة تعليمية خالصة، أجاب 70.9% بنعم، و13.5% بلا، و15.6% قالوا لا يعلمون…ومن الواضح ان كل سبعة من كل عشرة يرون وجود توظيف فكري للمحتوى.

8/ وفي السياق ذاته، أكد 82.8% أن الخلفيات الأيديولوجية والفكرية للمسؤولين تؤثر في اختيار مفردات وعناوين المناهج، مقابل 5% نفوا ذلك، و12.1% قالوا لا يعلمون. وهذا يعني أن نسبة مرتفعة تعكس أزمة ثقة واضحة منجانب المشاركين في الحياد المهني للمسئولين عن المناهج .

9/ولدى سؤال المشاركين عما إذا كانت المناهج تساعد في إكساب الطالب مهارات عملية، قال 79.8% إنها لا تساعد، و12.2% قالوا نعم، و8% قالوا لا يعلمون. وهذه النتيجة تضع علامة استفهام كبيرة حول قدرة التعليم على إعداد جيل منتج

10/ وفيما يتعلق بحجم المحتوى الدراسي، رأى 46.7% أنه مزدحم وغير مفيد، و42% أنه يميل للحشو، و5.3% فقط قالوا إنه مناسب ومتوازن، و5.9% لا يعلمون. مايعنى أن ما يقارب يقارب 88.7% من المشاركين ينتقدون الكثافة أو الحشو بشكل مباشر.

11/ وعند سؤال المشاركين عما إذا كانت المناهج تحتاج إلى تطوير، أجاب 83.8% بأنها تحتاج إلى تطوير شامل، و13.8% إلى تعديل جزئي، و1.7% قالوا إنها مناسبة ولا تحتاج تغييرًا، و0.7% لا يدرون. والأرقام هنا تقترب من الإجماع الشعبي على ضرورة الإصلاح الجذري.

12/أما بشأن أولويات التطوير، وعند منح المشاركين حرية اختيار اكثر من إجابة واحدة فقد اختار 73.5% من المشاركين ربط التعليم بالحياة العملية، و72.6% اتجه نحو ضرورة تعزيز القيم الوطنية، و68.4% فضل اختيار تنمية المهارات، و59.3% تحديث طرق التدريس، و50.7% اختار تقليل الحشو. ترتيب الأولويات يعكس رغبة واضحة في تعليم عملي، متوازن، ومرتبط بالواقع.

13/ وفي إطار السؤال المفتوح، الذي أُتيح للمشاركين للتعبير الحر عن آرائهم وملاحظاتهم، برزت جملة من الملاحظات النوعية التي تعكس عمق القلق المجتمعي تجاه واقع المناهج الحالية.فقد انتقد عدد كبير من المشاركين طرق التدريس المرتبطة بالمناهج، واعتبروها أساليب تقليدية جامدة تُفرغ المحتوى من روحه، وتحوّل العملية التعليمية إلى عملية تلقين آلي لا تبني عقلًا ناقدًا ولا تصنع وعيًا. وأكدوا أن الطالب يُدفع إلى الحفظ من أجل الامتحان، لا إلى الفهم من أجل الحياة.
وفيما يتعلق بـ التربية الوطنية، كانت الآراء أكثر صراحة؛ إذ أشار كثيرون إلى أن جرعة الوطنية والتغذية الروحية والثقافية في المنهج الحالي ضعيفة وهزيلة، ولا ترقى إلى مستوى بناء الانتماء الحقيقي. بل ذهب بعض المشاركين إلى القول إن المناهج صُممت في مراحل سابقة لترسيخ أفكار مرتبطة بأحزاب أو توجهات بعينها، بدلًا من أن تكون إطارًا وطنيًا جامعًا فوق الانتماءات الضيقة. وهو اتهام يعكس أزمة ثقة عميقة في حياد المنهج.
كما وُصفت الأهداف العامة للمناهج بأنها غير واضحة ومضطربة، وأن المحتوى متعدد ومفكك وغير مترابط، يفتقر إلى البناء المنهجي المتسلسل. وأكد مشاركون أن المنهج لا يساعد على تنمية المهارات، ولا يكسب الطالب معرفة حقيقية متماسكة، بل يقدم معلومات متفرقة لا تشكل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها.
وفي طرح أكثر صراحة، شدد عدد من المشاركين على أن الخطأ الأكبر يتمثل في ربط المناهج بسياسات التغيير في الدولة، معتبرين أن التعليم ليس ساحة لإعادة صياغة الوعي وفقًا لمن يحكم، بل منظومة يجب أن تكون ثابتة ومستقرة، تسهم في إنشاء أجيال قادرة على تنمية الوطن والنهوض به، بعيدًا عن تقلبات السياسة وصراعات السلطة. التعليم – في نظرهم – يجب أن يكون فوق الحكومات، لا تابعًا لها.
كما طالب المشاركون بوضوح بضرورة إعادة الاعتبار للتعليم الفني والتقني، والترغيب فيه بجدية، مؤكدين أن البلاد لا تحتاج فقط إلى حملة شهادات نظرية، بل إلى جيل عملي منتج يمتلك مهارات حقيقية تسهم في البناء والإعمار.
ودعوا كذلك إلى إعادة بناء مادة التربية الوطنية والسلوك العام، وإدراجها كمادة أساسية مؤثرة في المنهج، تُعنى بالقيم، واحترام القانون، والانضباط، والمسؤولية، والانتماء، بدل تركها هامشية أو شكلية.
وتكشف هذه الآراء المفتوحة أن المشكلة – في نظر قطاع واسع من المشاركين – ليست في تفاصيل صغيرة قابلة للتعديل، بل في الفلسفة العامة التي تحكم صياغة المناهج. وهي رسالة واضحة بأن المجتمع لم يعد يطالب بتحسينات شكلية، بل بإعادة نظر جذرية تعيد للتعليم وظيفته الأصلية: بناء إنسان يعرف، ويفكر، ويعمل، وينتمي، دون أن يُستخدم كأداة في معارك الأفكار والسلطة.

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *