الخرطوم=^المندرة نيوز^
يبدو أن العالم يعيد ترتيب أوراقه من جديد، وأن القوى العظمى أدركت أخيراً أن الدين ليس مجرد إرث قديم يمكن تهميشه، بل هو محرك أساسي في توجيه الشعوب. المشهد العالمي اليوم يحمل مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي وقف فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليدعو شعبه للعودة إلى قيم الدين ويعلن صراحة عن يوم وطني للصلاة، نجد روسيا تتمسك بقوة بقيمها الروحية والتقليدية. لكن المفاجأة الحقيقية والأكثر دهاءً جاءت من الشرق، حيث أعلنت الصين في خطوة استراتيجية غير متوقعة اعتماد لوائح رسمية لدعم المدارس القرآنية وتطوير التعليم الإسلامي.
هذا التحول الصيني ليس مجرد شأن داخلي، بل هو “ضربة معلم” في رقعة الشطرنج الدولية. فبينما يروج الإعلام الغربي لصورة الصين كدولة تصطدم مع التدين، تأتي هذه اللوائح لتقلب الطاولة تماماً. بكين ببساطة تقول لمواطنيها المسلمين إنها حاضنة لهم، وتريد تحويل التعليم الديني من نشاط خفي إلى جزء من النسيج الوطني لتوفير تعليم معتدل تحت عين الدولة، مما يقطع الطريق على أي تطرف.
الأهم من ذلك هو الرسالة الذكية الموجهة للخارج. الصين تبني اقتصادها عبر مشروع “طريق الحرير” المرتبط بـ 53 دولة إسلامية. وقرارها باحتضان المدارس القرآنية هو بمثابة “تأشيرة مرور” وجدانية لهذه الشعوب. هي رسالة طمأنة واضحة مفادها: “نحن نحترم قرآنكم ومساجدكم كما نحترم تجارتنا معكم”. بهذا الاستيعاب، تسحب الصين البساط من الدوائر الغربية التي لطالما استخدمت ورقة الأقليات للضغط عليها، وتقدم نفسها كحليف موثوق يحترم الهوية، بعيداً عن الأجندات الغربية المعقدة.
عندما نربط مشهد المدارس القرآنية المدعومة في الصين، بالتوجه الروسي المحافظ، ودعوات ترامب المتكررة للصلاة في أمريكا، يبرز أمامنا سؤال جوهري: هل نشهد اليوم بداية أفول حركات الإلحاد التي دُعمت بقوة من دوائر عالمية لسنوات؟ المؤشرات تقول نعم. فالقوى الكبرى اكتشفت بالضرورة أن الصدام مع الهوية الدينية للشعوب معركة خاسرة ومكلفة جداً.
بعد اخير :
خلاصة القول، يبدو أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأعادت السياسة الدولية الاعتبار لخط التدين. سواء كانت هذه العودة نابعة من قناعات قيمية أو من براغماتية سياسية بحتة لكسب الشركاء، فإن النتيجة واحدة.
وأخيرًا، لقد أثبت الدين مجدداً أنه الرقم الصعب الذي لا يُشطب من معادلات العالم، وأن من يملك مفاتيح احترام عقائد الناس، يضمن الولوج إلى أسواقهم وعلاقاتهم بثقة وأمان.. فهل يفهم الملحدون الجدد هذه الرسالة؟
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 23 فبراير 2026م







