المندرة نيوز

د. عبدالعزيز الزبير باشا يكتب: صناعة “النخبة الافتراضية” في زمن الحرب: قراءة سوسيولوجية في تحوّل التأثير إلى سلطة

الخرطوم=^المندرة نيوز^
في فترات الحروب والتحولات الكبرى، يحدث فراغ في المعنى قبل أن يحدث فراغ في السلطة. هذا الفراغ المعنوي يفتح الباب أمام فاعلين جدد، لا يستمدون شرعيتهم من تاريخ نضالي، ولا من معرفة تراكمية، ولا من موقع مؤسسي، بل من القدرة على الظهور، وإدارة الصورة، وتغذية الخوارزميات.

في الحالة السودانية، ومع تصاعد المعركة الإعلامية منذ اندلاع الصراع، ظهرت موجة من “الشخصيات الإعلامية” التي لم تكن معروفة قبل الحرب. بعضهم قدّم خطاباً متقلباً بين الدعم الجزئي والعداء الصريح للمؤسسة العسكرية، وبعضهم اتخذ موقع “المحلل المحايد” بينما هو يعيد إنتاج سرديات موجهة. السؤال ليس: من هم؟ بل: كيف صعدوا بهذه السرعة؟

منطق الخوارزمية لا منطق الشرعية
في المجتمعات التي تعيش اضطراباً، يتحول الجمهور إلى حالة بحث محموم عن تفسير. وهنا تتقدم المنصات الرقمية بوصفها بديلاً عن المؤسسات التقليدية. الخوارزمية تكافئ الإثارة لا الدقة، والصوت العالي لا المعرفة، والصورة الجذابة لا العمق الفكري.

بهذا المعنى، يتحول “التأثير” إلى بديل عن “الكفاءة”، ويُعاد تعريف النخبة وفق عدد المتابعين، لا وفق معيار الخبرة أو الالتزام الوطني.

تآكل المعايير الاجتماعية
المجتمع المحافظ تقليدياً يبني شرعيته الرمزية على جملة من القيم: الوقار، الانضباط، الانتماء، المسؤولية. لكن في بيئة رقمية عابرة للحدود، تُستورد أنماط تمثيل للذات لا تنتمي إلى السياق المحلي، ثم يُعاد تسويقها بوصفها “تحرراً” أو “حداثة”.

المشكلة ليست في الملبس أو مكان الإقامة بحد ذاتهما، بل في تحويل المظهر إلى رأس مال سياسي. حين يصبح الشكل بديلاً عن المشروع، والصورة بديلاً عن الفكرة، فنحن أمام اختلال في منظومة إنتاج الرمزية.

الذكاء الاصطناعي كأداة تضخيم
استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى سياسي يمنح بعض الأفراد قدرة على توليد خطاب يبدو متماسكاً لغوياً، حتى لو كان سطحياً معرفياً. وهنا يكمن الخطر: القشرة البلاغية قد تخدع جمهوراً يبحث عن أي يقين.

الخطاب المصنوع آلياً يمكن أن يخلق وهماً بالتحليل، بينما هو في جوهره إعادة تدوير لوجهات نظر سائدة أو موجهة. في مجتمع لم تتجذر فيه بعد ثقافة التحقق النقدي، يتحول هذا إلى مصدر تأثير حقيقي.

من التأثير إلى إعادة تشكيل الوعي
حين تتراكم هذه الظواهر، لا يعود الأمر مجرد أفراد “يبحثون عن الشهرة”، بل يتحول إلى إعادة هندسة بطيئة للوعي الجمعي. تتغير معايير من يُسمع له، ومن يُستشار، ومن يُنظر إليه كمرجعية.

الخطر الأكبر هنا ليس في الرأي المخالف بحد ذاته — فالاختلاف صحي — بل في تسطيح النقاش العام، وتحويل القضايا الوجودية للدولة إلى محتوى استهلاكي سريع التداول.

ما العمل؟
التحذير من الظاهرة لا يعني المطالبة بالقمع أو الإقصاء، بل بإعادة بناء المعايير. الحل لا يكون بالصراخ ضد “المؤثرين”، بل عبر:
• تقوية المؤسسات الإعلامية الوطنية المهنية.
• تعزيز التربية الإعلامية والنقدية لدى الجمهور.
• إنتاج خطاب رصين قادر على المنافسة رقمياً دون التفريط في العمق.
• إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية الأخلاقية في الفضاء العام.

المجتمعات لا تنهار فقط بالسلاح، بل أيضاً حين تفقد بوصلتها الرمزية.
وإذا تُرك المجال العام بلا معايير، فإن من يجيد إدارة الكاميرا سيصبح بديلاً عمن يجيد إدارة الدولة.

الحروب تفرز تجار سلاح، نعم.
لكنها تفرز أيضاً تجار خطاب.
والأخطر أن الثانيين يعملون في العقول، لا في الجبهات…

*وطن و مؤسسات….*
*السودان أولا و أخيراً…*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا…*
*24/02/2026*

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *