الخرطوم =^المندرة نيوز^
في مربع ٣ بأبوآدم، بمحلية جبل أولياء في أطراف الخرطوم، يعود الناس إلى بيوتهم كما يعود القلب إلى صدره بعد طول فراق. ثلاث سنوات من النزوح علّمتهم معنى الخوف، ومرارة العوز، وثقل الغربة داخل الوطن. وحين وضعت الحرب أوزارها، لم ينتظروا كثيراً. رجعوا، وبدأوا من الصفر. طوبة فوق طوبة، وسقف بعد سقف، وأمل يكبر مع كل جدار يرتفع.
الأسر هناك لم تمد يدها للشكوى أولاً، بل للعمل. جمعوا التبرعات بينهم. أقاموا النفير لتنظيف الحي. أصلحوا ما تهدّم. أدخلوا الطاقة الشمسية لبئر الماء حتى لا يعطش طفل. رمموا المدارس حتى لا يضيع عام دراسي جديد. كانوا يعرفون أن الدولة مثقلة، فحملوا عن كاهلها ما استطاعوا. فعلوا ذلك بقلوب عامرة بالإصرار، وبإيمان أن الحي لا يبنيه إلا أهله.
لكنهم توقفوا عند عقبة واحدة: المحول الكهربائي.
الكهرباء دخلت مربعات قريبة منهم. الأعمدة تقف غير بعيدة، والأسلاك تمر أمام الأعين، لكن مربع ٣ ما زال في الظلام. الليل هناك طويل. الأطفال يذاكرون على ضوء خافت أو ينامون مبكراً هرباً من العتمة. الحشرات تملأ البيوت. الحرّ خانق، خاصة لكبار السن والمرضى. والأمهات يحاولن أن يخففن عن صغارهن خوف الظلام، بينما هنّ أنفسهن أنهكتهن سنوات النزوح.
حاول الأهالي أكثر من مرة توفير محول. طرقوا أبواباً، وقدموا طلبات، وبحثوا عن دعم. كل مرة يعودون بخيبة جديدة. ليس لأنهم يطلبون ترفاً، بل حقاً أساسياً يعيد للحياة إيقاعها الطبيعي. الكهرباء اليوم ليست رفاهية؛ هي ماء بارد، ودواء محفوظ، وطالب ينجح، وأم تطمئن.
سيدى والى الخرطوم، نداء أهالي مربع ٣ ليس صرخة غضب، بل استغاثة أمل. يتوجهون بها إلى شخصكم الصامد المعطاء، يناشدونك أن تنظر إلى حالهم بعين المسؤولية والرحمة معاً. هم لم يقصروا في واجبهم تجاه حيهم، وبذلوا ما في وسعهم. ما تبقى خطوة لا يقدرون عليها وحدهم.
بعد اخير :
خلاصة القول، الكرة الآن في ملعب الولاية. محول واحد قد يبدد ظلام حي كامل، ويمنح مئات الأسر شعوراً بأن عودتهم لم تكن مغامرة، بل بداية حقيقية لحياة جديدة.
واخيراً، فهل يجد هذا النداء من يسمعه، ومن يحوله إلى قرار يعيد النور إلى أبوآدم مربع ٣؟
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الجمعة | 27 فبراير 2026م







