الخرطوم=^المندرة نيوز^
تعيش منطقة الشرق الأوسط زلزالاً غير مسبوق بعد التطورات العنيفة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي بلغت ذروتها بغياب المرشد الأعلى واتساع رقعة النيران لتلتهم دول الخليج والعراق والأردن. هذا المشهد المشتعل يعيد رسم خرائط القوة، ويفرض واقعاً جديداً تتطاير شراراته لتلامس كل محيط الإقليم. ورغم أن السودان يقف على مسافة دبلوماسية آمنة ومحايدة تماماً من كل أطراف هذا النزاع الدولي المتشابك، إلا أن ارتدادات هذه العاصفة تضرب بقوة في عمق أزمتنا الداخلية، مما يستوجب قراءة المشهد بعيون مفتوحة وعقل استراتيجي بارد لاغتنام اللحظة.
انشغال العالم والقوى الإقليمية بهذه الحرب الشاملة يقلب موازين الصراع داخل السودان بشكل جوهري. فجأة، تتراجع التدخلات الخارجية التي طالما عقدت أزمتنا، وتتبدل أولويات المجتمع الدولي المنخرط في أزمته الكبرى، مما يترك الساحة السودانية أمام واقع جديد كلياً. هذه اللحظة، رغم قسوتها ومخاطرها عالمياً، تمنح الحكومة السودانية فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس. غياب الضغوط الخارجية المعتادة يفتح باباً واسعاً لترتيب البيت الداخلي، والعمل بجدية لحسم التفلتات، وتوحيد الجبهة الوطنية بعيداً عن الاستقطاب الإقليمي الحاد. إنها فرصة نادرة للتحرك بهدوء وسط صخب العالم، واستعادة زمام المبادرة لبناء سلام حقيقي ينبع من الداخل، ولا تفرضه إملاءات الخارج المنشغل بحرائقه.
ولتحقيق هذا المكسب، يبرز دور الدبلوماسية السودانية التي يجب أن تتحرك الآن بتكتيكات دقيقة وحذرة للغاية. المطلوب فوراً هو تبني “دبلوماسية الصمت الإيجابي”، أي التركيز المنصب بالكامل على مصالح السودان الاقتصادية والأمنية دون الانجرار لأي تصريحات أو مواقف تحسبنا على محور ضد آخر. يجب على وزارة الخارجية تكثيف جهودها لتأمين خطوط إمداد بديلة للغذاء والوقود، وتنشيط سفاراتنا في الدول غير المنخرطة في الصراع لفتح مسارات اقتصادية جديدة. هذا التحرك يجب أن يكون سريعاً ومحسوباً، لضمان استمرار تدفق الاحتياجات الأساسية للمواطن، مع توجيه رسائل تطمين واضحة للجميع بأن الخرطوم معنية فقط بسلامة أراضيها واستقرار شعبها.
بعد اخير :
خلاصة القول، العاصفة التي تضرب الإقليم اليوم مرعبة، وتداعياتها ستغير وجه المنطقة لسنوات قادمة. لكن بالنسبة لنا في السودان، يجب أن تكون هذه الأحداث بمثابة جرس إنذار ودافع قوي للالتفات إلى جراحنا الخاصة ولملمة أطرافنا. كل دقيقة تقضيها القوى الكبرى في صراعاتها المعقدة، هي دقيقة ثمينة يجب أن نستثمرها بحكمة في إطفاء نيراننا نحن.
وأخيرًا، التاريخ لا يرحم المترددين، والدول تنجو بوعي قياداتها وتماسك شعوبها. عبور السودان من حقل الألغام الحالي لن يتحقق بانتظار ما ستسفر عنه حروب الآخرين، بل باغتنام انشغالهم لصناعة واقع سوداني جديد. واقع يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويعبر بنا تدريجياً من ضيق الحرب إلى رحابة السلام والاستقرار.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 2 مارس 2026م







