المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب: بين الاستقلال والتبعية: من يقود تدريب المهن الطبية في السودان؟

الخرطوم=^المندرة نيوز^
أثار بيان المجلس القومي السوداني للتخصصات الطبية جدلاً واسعاً بعد رفضه قرار مجلس الوزراء القاضي بإسناد تبعيته الإشرافية إلى وزارة الصحة الاتحادية. المجلس أكد أنه مؤسسة مهنية مستقلة منذ تأسيسه عام 1996، وأن استقلاله الإداري والمالي هو صمام أمان لجودة التدريب وسمعة الشهادات السودانية خارج البلاد. كما حذّر من أن أي مساس بهذا الوضع قد يهدد الاعتراف الدولي بالزمالات ويؤثر على مستقبل الأطباء المتدربين.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل الخلاف هنا حول مبدأ الاستقلالية أم حول طريقة إدارة الملف الصحي في ظرف استثنائي تعيشه البلاد؟

واقع الحال يقول إن تعدد جهات الإشراف خلال السنوات الماضية خلق حالة من التباين في السياسات وضعف التنسيق مع المنظومة الصحية. وعندما تتغير المرجعيات، تتغير الأولويات. هذا التذبذب ينعكس مباشرة على الحاكمية: من يحدد عدد المتدربين؟ من يربط التخصصات بحوجة الولايات؟ ومن يحاسب عند حدوث فجوة في كوادر الطوارئ أو التخدير أو الأطفال؟

الحرب زادت الصورة تعقيداً. المستشفيات انهكت، والهجرة تصاعدت، والتدريب تعطل لفترات. في المقابل، يشير مؤيدو عودة الإشراف لوزارة الصحة إلى أن القرب المؤسسي من صانع السياسة الصحية قد يعيد ربط التدريب بالاحتياج الفعلي، ويمنع أن يتحول إلى مسار تحكمه الرسوم أو رغبات فردية فقط. تجارب دول عديدة، عربية وأفريقية وأوروبية، تعمل فيها هيئات التخصصات تحت إشراف وزارات الصحة مع احتفاظها باستقلالها الأكاديمي.

إذن، هل وزارة الصحة مناسبة الآن للإشراف؟ الإجابة ليست نعم مطلقة ولا رفضاً قاطعاً. إن كانت العودة تعني وصاية إدارية تُقيد القرار المهني، فذلك خطر حقيقي. أما إن كانت تعني تنسيقاً استراتيجياً وتمويلاً مستقراً وربطاً واضحاً بخطة صحية وطنية، فقد تكون فرصة لإصلاح مسار طال انتظاره.

بعد اخير :

خلاصة القول، المطلوب اليوم ليس صراع مؤسسات، بل صيغة توازن تحمي استقلال المجلس وتضمن في الوقت نفسه خضوعه لرؤية صحية قومية واضحة. فالمواطن الذي ينتظر طبيباً متخصصاً في مستشفى ولائي لا تعنيه تبعية إدارية بقدر ما يعنيه وجود كادر مؤهل أمامه.

وأخيرًا، القضية أكبر من قرار. إنها معركة حاكمية رشيدة في قطاع لا يحتمل التجريب. إما أن ننجح في بناء شراكة مؤسسية حقيقية، أو نستمر في دائرة الجدل بينما يدفع المرضى الثمن.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾

ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الخميس | 5 مارس 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *