المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. الجيش الأبيض يهزم الكوليرا.. والبيروقراطية تقتل مرضى الكلى ..!

الخرطوم =^المندرة نيوز^
بينما كانت الأنفاس تُحبس بانتظار خبر يزيح عن كاهل السودانيين جبلًا من القلق، جاء بيان وزارة الصحة الاتحادية الأخير بمثابة “نسمة باردة” في هجير الأزمات؛ إذ أعلن السودان رسميًا خلوه من وباء الكوليرا. هذا الإنجاز لم يكن وليد صدفة، بل هو ثمرة صمود أسطوري لـ “الجيش الأبيض” من مهن طبية وصحية بقيادة تستحق التقدير بوزارة الصحة الاتحادية والولايات فهم قد اشتغلوا في ظروف يعجز الوصف عن الإحاطة بقسوتها، فاستحقوا مباركة منظمة الصحة العالمية وتقدير كل بيت سوداني.

لكن، وبذات الصراحة التي تقتضيها أمانة القلم، فإن الفرحة بهذا الانتصار تظل “ناقصة” ما لم تتحول من مجرد احتفال عابر إلى استراتيجية استدامة حقيقية. إن الحفاظ على هذا الإنجاز يتطلب وقفة جادة لتمكين قطاع “صحة البيئة”، الذي يمثل خط الدفاع الأول، عبر إزالة التشوهات الهيكلية التي تُكبل حركته، وتنفيذ توصيات مؤتمر مديري صحة البيئة بالولايات الذي عُقد مؤخرًا بالخرطوم، بدلًا من تركها حبيسة الأدراج لتذروها الرياح، فدرهم وقاية في نظافة المياه وإصحاح البيئة خير من قناطير علاج تُصرف لمواجهة وباء عائد.

ومع ذلك، وفي غمرة هذا الاحتفاء، تبرز صورة مغايرة تمامًا من مستشفى أم درمان، حيث يختلط الأمل بالألم في مشهد تدمع له المآقي. يحكي صديقى “مهيمن” بمرارة لا تُخطئها الوجدان عن خاله وعشرات المرضى الذين يصطفون منذ الثالثة صباحًا، لا انتظارًا للدواء هذه المرة، بل انتظارًا لـ “قطرة ماء” تشغل ماكينات غسيل الكلى. تخيلوا أن يقف المريض، الذي يصارع السموم في جسده، لساعات طوال بانتظار عودة المياه المقطوعة عن المستشفى! هذه ليست مجرد “هفوة” إدارية، بل هي مرآة تعكس هشاشة المتابعة في مفاصل الوزارة.

إن فقدان الأحبة، كما حدث مع أشقاء مهيمن بسبب حمى الضنك، أو رحيل الشاب الخلوق “أحمد طبي” الذي كان يرجو لفتة اهتمام لم تأتِ وغيره كثير، يضعنا أمام سؤال أخلاقي وتاريخي: إلى متى يظل الإهمال هو “المرض” الذي يقتل قبل الوباء نفسه؟

إن الوجع لا يتوقف عند انقطاع المياه، بل يمتد لغياب أبسط مقومات الخدمة الإسعافية؛ فمن المؤسف ألا يجد المواطن في المستشفيات الحكومية “إسعافًا” واحدًا يتبع للدولة، بينما تملأ ملصقات الشركات التجارية الجدران، لتطلب ٢٥٠ ألف جنيه مقابل “مشوار” بين مستشفى وآخر، وهو مبلغ يعادل راتب موظف كامل، مما يجعل الصحة في بلادنا “رفاهية” لمن يملك، و”حكمًا بالإعدام” لمن لا يملك. يبدو أن الوزارة ترفع شعار “دفن الليل أب كراعًا برة”، تحاول تجميل الواجهة بانتصارات الوباء بينما الهيكل الداخلي ينخر فيه سوس الفشل الإداري وضياع البوصلة في ترتيب الأولويات وتوزيع الموارد المتاحة بإنصاف.

بعد اخير :

خلاصة القول، إن الأزمة في نظامنا الصحي لم تكن يومًا أزمة موارد فحسب، بل هي في المقام الأول أزمة “إدارة وإرادة”. لا يعقل أن ننجح في دحر وباء قاتل ونفشل في توفير إمداد ماء لمستشفى عريق، أو نوفر سيارة إسعاف تنقذ روحًا في لحظاتها الأخيرة. الاستدامة لا تعني الخطابات الرنانة، بل تعني أن يشعر المواطن بالأمان في ردهات المستشفى، وأن تكون “صحة البيئة” واقعًا ملموسًا في شوارعنا لا مجرد حبر على ورق التوصيات المنسية.

وأخيرًا، إننا ندق ناقوس الخطر، ليس تقليلًا من جهد المخلصين، بل خوفًا على ما تبقى من رمق في جسد هذا الوطن. إن إصلاح المنظومة الصحية يبدأ بالاعتراف بالخلل، والضرب بيد من حديد على مكامن الإهمال، وتوجيه الميزانيات لمستحقيها من المرضى الكادحين بدلًا من إهدارها في دهاليز البيروقراطية. فليكن الانتصار على الكوليرا بداية لثورة إدارية شاملة، تعيد للمستشفى الحكومي هيبته، وللمواطن كرامته، وللمريض حقه في الحياة دون أن يضطر لانتظار معجزة “الماء” أو “الإسعاف”.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾

ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
السبت | 7 مارس 2026م
musapbrear@gmail.com

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *