الخرطوم =^المندرة نيوز^
بين أرقام القرارات الحكومية ونار الأسواق اليومية، يعيش الموظف السوداني مفارقة قاسية ومستمرة. طالعنا مؤخراً قرار وزير المالية والتخطيط الاقتصادي بزيادة الأجور ومنح علاوات جديدة للعاملين بالدولة. في صدر القرار، تبدو الأرقام ضخمة ومبشرة؛ إذ نتحدث عن زيادات تتجاوز حاجز المائة بالمائة لبعض الفئات النظامية، واستحداث علاوة سميت بـ “إزالة المفارقات” بمبلغ 120 ألف جنيه للعاملين بالحكومة الاتحادية، إلى جانب منحة للمعاشيين بقيمة 80 ألف جنيه.
لكن السؤال الملح الذي يتردد الآن في كل بيت سوداني: هل تسد هذه الأرقام رمق الواقع الاقتصادي المرير أم أنها مجرد حبر على ورق؟
عندما نقرأ هذا القرار بعين فاحصة وواقعية، ندرك سريعاً أن هذه التعديلات لا تعدو كونها مسكنات مؤقتة لجسد ينهشه التضخم. فمبلغ 120 ألف جنيه، في ظل الغلاء الطاحن وتآكل قيمة العملة الوطنية، بالكاد يغطي تكلفة المواصلات لأيام معدودة.
الفجوة بين دخل الموظف وتكلفة المعيشة الأساسية من مأكل وعلاج وإيجار اتسعت لدرجة مخيفة، مما يجعل الزيادات النقدية المباشرة تتبخر قبل أن تلامس جيوب العاملين. كما أن القرار حمل مفارقاته الخاصة، حين استثنى قطاعات حيوية كالعاملين بالزراعة والري والباحثين وربطهم بتسويات إدارية مؤجلة، مما يضرب مبدأ العدالة والمساواة في الخدمة المدنية.
الواقع يخبرنا أن ضخ سيولة نقدية جديدة في سوق منفلت ومنعدم الرقابة، سينذر حتماً بموجة غلاء تبتلع هذه الزيادات الهزيلة في مهدها.
للخروج من هذا النفق المظلم، نحتاج إلى تغيير جذري في فلسفة المعالجات الاقتصادية. ردم فجوة الأجور الحقيقية لا يتحقق بطباعة النقود أو توزيع علاوات ورقية، بل يتطلب سياسات صارمة لكبح جماح التضخم وإعادة تحريك عجلة الإنتاج.
أوصي وبشدة أن تتجه الدولة نحو الدعم العيني المباشر كبديل أو مكمل ذو قيمة؛ مثل تفعيل التعاونيات الاستهلاكية في المؤسسات لتوفير السلع الأساسية بأسعار مدعومة، وتوسيع مظلة التأمين الصحي الفعلي ليشمل العلاج والدواء، وتوفير ترحيل حكومي موثوق. هذه الحلول العملية والملموسة هي وحدها ما يحفظ للراتب قدرته الشرائية، وتخفف الضغط اليومي عن كاهل الموظف.
بعد اخير :
خلاصة القول، العامل والموظف السوداني لا تبهره الأرقام الفلكية الخاوية في كشوفات المرتبات، بل يبحث عن “قفة ملاح” تكفي أسرته وعيش كريم يصون كرامته من سؤال الناس. زيادة الأجور بصيغتها الحالية، دون رؤية اقتصادية شاملة تحمي المستهلك، تشبه من يحرث في البحر.
وأخيرًا، إن أردنا حقاً إنقاذ الخدمة المدنية من الانهيار وتسرب الكفاءات، فعلينا مواجهة الجذور الحقيقية للأزمة بشجاعة، لا تزيين فروعها المتهالكة بأموال تفقد قيمتها قبل أن تُصرف.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 9 مارس 2026م







