الخرطوم=^المندرة نيوز^
تبدأ الأمم عادةً مرحلة التعافي الحقيقي بعد الحروب عندما يعود الناس إلى بيوتهم. فعودة النازحين ليست مجرد حركة انتقال من مكان إلى آخر، بل هي لحظة استعادة الحياة الطبيعية وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. وفي هذا السياق تمثل الجهود التي تقودها اللجنة العليا لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم خطوة مهمة تستحق التقدير، خصوصاً بعد الظروف القاسية التي مرت بها البلاد جراء الحرب الوجودية التي استهدفت السودان وأرهقت مجتمعه.
الاجتماع الأخير للجنة برئاسة رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس حمل إشارات إيجابية عديدة. فقد ناقش ترتيبات استقبال العائدين، خاصة القادمين من دول الجوار مثل مصر، مع التأكيد على تنسيق المبادرات الرسمية والشعبية الداعمة للعودة الطوعية. كما شملت التوجيهات تحسين الخدمات الأساسية، من إنارة الطرق وتوفير الكهرباء إلى دعم هيئة المياه، إضافة إلى مشاريع مكافحة الذباب والبعوض وتحسين الصرف الصحي، وهي خطوات ضرورية لتهيئة بيئة صحية وآمنة تشجع الأسر على الرجوع إلى منازلها.
هذه الجهود لا يمكن فصلها عن العمل الكبير الذي قامت به اللجنة السابقة بقيادة عضو مجلس السيادة الفريق مهندس إبراهيم جابر، والتي عملت في ظروف بالغة التعقيد لإعادة الحياة تدريجياً إلى العاصمة. فقد ساهمت تلك الجهود في إعادة تشغيل خدمات أساسية وتأهيل مرافق حيوية مثل المدارس وبعض الجسور ومطار الخرطوم، وهي خطوات فتحت الباب لمرحلة التعافي الحالية.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد العودة. فالكثير من العائدين سيجدون منازلهم منهوبة أو متضررة، وبعضهم فقد أبسط مقومات العيش. لذلك لا بد أن تترافق خطط العودة مع برامج دعم حقيقية لإعادة إعمار المنازل وتأهيلها بالحد الأدنى الذي يسمح للأسرة بالعيش بكرامة. معظم المتضررين اليوم بالكاد يستطيعون توفير قوت يومهم، فكيف لهم أن يعيدوا بناء ما تهدم؟
التجارب الدولية تقدم نماذج مهمة يمكن الاستفادة منها. ففي دول خرجت من حروب أهلية مثل رواندا والبوسنة، لعبت برامج التمويل الصغير والقروض الحسنة دوراً أساسياً في مساعدة الأسر على إعادة بناء منازلها واستعادة نشاطها الاقتصادي. كما أن بعض الحكومات اعتمدت برامج دعم مباشر للأسر الأكثر تضرراً، مع شراكات مع البنوك لتسهيل التمويل بشروط ميسرة.
ومن القضايا المهمة أيضاً كيفية التعامل مع الممتلكات المنهوبة التي تم استردادها. التجارب العالمية تشير إلى أهمية إنشاء آلية شفافة لحصر هذه الممتلكات وتسجيلها وإعادتها لأصحابها خلال فترة زمنية محددة. وإذا تعذر الوصول إلى المالكين بعد انقضاء تلك الفترة، يمكن إعادة توزيعها وفق معايير واضحة لصالح الأسر الأكثر احتياجاً، بدلاً من تركها عرضة للتلف أو الفوضى.
بعد اخير :
خلاصة القول، إن عودة المواطنين إلى الخرطوم ليست مجرد خطوة إدارية، بل مشروع وطني لإصلاح ما أفسدته الحرب. نجاحه يتطلب استمرار روح التضامن التي ظهرت في عمل اللجنة العليا، مع توسيع دائرة الدعم للعائدين حتى لا تتحول العودة إلى صدمة جديدة لمن فقدوا كل شيء.
وأخيرًا، إعادة إعمار البيوت مهمة مهمة، لكن إعادة ترميم النسيج الاجتماعي أهم. وإذا نجح السودان في كسب هذا التحدي، فسيكون قد وضع أول حجر حقيقي في طريق التعافي بعد الحرب.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الخميس | 12 مارس 2026م







