الخرطوم=^المندرة نيوز^
قضية العاملين في مصنع سكر حلفا الجديدة ليست شكوى حزينة، بل حكاية شريحة واسعة من السودانيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة واقع قاسٍ فرضته الحرب وتعقيدات الاقتصاد. هؤلاء العمال لم يكونوا طرفاً في الصراع الدائر، لكنهم يدفعون ثمنه يومياً في معاشهم وأمن أسرهم ومستقبل أبنائهم.
في رسالة صادقة بعث بها نائب رئيس نقابة مصنع سكر حلفا الجديدة تاج الدين وهبي عكست صورة مؤلمة لما يعيشه العاملون. رمضان جاء هذا العام مثقلاً بالهموم، والظروف المعيشية تزداد صعوبة يوماً بعد يوم. كثير من العمال أصبحوا عاجزين عن دفع رسوم دراسة أبنائهم في المدارس والجامعات، وبعض الطلاب اضطروا لترك مقاعد الدراسة. أربعة الف أسرة كانت تعيش على دخل ثابت بدأت تتفكك تحت ضغط الحاجة، اكثر من احدى عشر الف نسمة اضطرّوا للهجرة بحثاً عن فرصة حياة أفضل.
الأمر لا يقف عند حدود الضائقة المعيشية فقط. فمع توقف الإنتاج وتراجع النشاط داخل المصنع، ظهرت مخاطر أمنية حقيقية. منشآت المصنع أصبحت عرضة لسرقات متكررة طالت الكوابل النحاسية والطلمبات والسيور وكميات من الحديد. وهذه خسائر لا تمس الشركة وحدها، بل تمس أحد الأصول الصناعية المهمة في البلاد.
العاملون في شركة السكر يرون أن قضيتهم عادلة. فالشركة، رغم كونها شركة مساهمة عامة، تخضع لرقابة الدولة وتعمل تحت مظلة وزارتي الصناعة والمالية. لذلك يعتقد العاملون أن من حقهم أن تتم معاملتهم بما يضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي والمعيشي، أسوة بالعاملين في بقية مؤسسات الدولة. كما يشيرون إلى أنهم لم يُدرجوا ضمن زيادات المرتبات التي أعلنتها وزارة المالية مؤخراً، وهو ما زاد من شعورهم بالتهميش.
والمفارقة أن هذه الشركة كانت لسنوات طويلة أحد أعمدة الاقتصاد الوطني. مصانع السكر في السودان ساهمت في دعم خزينة الدولة وتوفير العملة الصعبة، وكان لها دور واضح في تأمين سلعة أساسية للمواطن. وحتى اليوم، يرى العاملون أن مصنعَي حلفا الجديدة وعسلاية يمكنهما، إذا توفر لهما الدعم والتمويل اللازم، أن يساهما في سد جزء كبير من النقص الناتج عن توقف بقية مصانع السكر.
القضية إذن ليست قضية رواتب فقط، بل قضية قطاع صناعي كامل يحتاج إلى إنقاذ. العمال يطالبون بالاهتمام، والدولة مطالبة بأن تنظر إلى مصانع السكر باعتبارها أصولاً استراتيجية يمكن أن تعود بالفائدة على الاقتصاد إذا أعيد تشغيلها بكفاءة.
بعد اخير :
خلاصة القول، يظل صوت العامل البسيط هو الأصدق. هؤلاء لا يطلبون المستحيل؛ يريدون فقط عملاً مستقراً ومرتبات تكفي أسرهم وبيئة آمنة تحفظ ما تبقى من منشآت المصنع. إن إنصافهم اليوم ليس مجرد استجابة لمطلب نقابي، بل خطوة في طريق إنقاذ صناعة وطنية كانت يوماً مصدر فخر للاقتصاد السوداني.
واخيراً، ان تجاهل هذه النداءات، فقد يعني خسارة ما تبقى من هذا القطاع الحيوي. والسؤال الذي ينتظر الإجابة: هل تتحرك الجهات المعنية قبل أن يتحول الصمت إلى خسارة لا يمكن تعويضها؟
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الجمعة | 13 مارس 2026م







