الخرطوم =^المندرة نيوز^
خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في السادس من أبريل لم يكن مجرد استدعاء لذكرى وطنية عابرة، بل هو الإعلان الأبرز لمرحلة سياسية جديدة كلياً تقوم على ما يمكن تسميته “شرعية الميدان”، متجاوزة بذلك “الشرعية الثورية” السابقة.
الحدث الأهم هنا هو أننا نشهد تمهيداً مدروساً لطي صفحة الوثيقة الدستورية القديمة؛ فتلك الوثيقة صُممت لتوازنات سياسية مع قوات الدعم السريع وقوى سياسية تبدلت مواقفها أو تماهت مع التمرد.
واليوم، يُعاد تشكيل المشهد ليؤسس لمسار انتقالي جديد، ينطلق من واقع الاصطفاف الشعبي الحالي حول جيشه، وليس من اتفاقات غرف التفاوض القديمة.
هذا التحول الجذري لم يأتِ وليد اللحظة، بل سبقته هندسة دقيقة وقرارات عسكرية حساسة أعادت ترتيب البيت الداخلي. بدءاً من إلغاء منصب نائب القائد العام وإعادة تشكيل هيئة الأركان، وصولاً إلى توزيع ملفات استراتيجية ثقيلة على مساعدي القائد العام؛ كالفريق أول كباشي للتخطيط، والفريق جابر للعلاقات الدولية، والفريق أول ميرغني إدريس للصناعات الدفاعية.
هذه ليست مجرد تنقلات إدارية روتينية، بل هي خطوات ذكية لمركزة القرار وتوحيد القيادة استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب، وتماشياً مع تحولات إقليمية باتت تقدم الاستقرار وإعادة بناء الدول على حساب الانتقالات السياسية المتعجلة.
وحتى لا تخطئ العين دلالة الحدث، جاء الإخراج الفني للخطاب متعمداً في رسائله؛ فتعدد الكاميرات والاهتمام بالصورة لم يكن ترفاً، بل إعلاناً بصرياً لولادة عهد جديد. واختيار السادس من أبريل تحديداً، وهو اليوم الذي يرمز في ذاكرة السودانيين لانحياز الجيش لإرادة الشارع في عامي 1985 و2019، جاء ليربط بذكاء بين انتصارات معركة الكرامة ومستقبل التحول الديمقراطي، ليؤكد أن الجيش هو الحامل الفعلي للعبور القادم.
لكن، بصفتي مراقباً لهذا المشهد المعقد لثلاثة عقود من الزمان، أرى أن التحدي الفعلي لا يكمن في شجاعة اتخاذ القرارات بل في حكمة إدارتها. مرحلة إعادة التأسيس الراهنة تتطلب مشياً على خيط رفيع؛ توازناً دقيقاً بين قبضة الحسم العسكري الضرورية لإنقاذ ما تبقى من الدولة، والانفتاح السياسي العاقل الذي يمهد لانتقال حقيقي ومستدام يشارك فيه الجميع بلا إقصاء للمخلصين.
بعد اخير:
خلاصة القول، نصيحتي الصادقة لصناع القرار في هذه اللحظة التاريخية هي تجنب الانتشاء بانتصارات الميدان على حساب التأسيس السياسي المتين. الفرص الكبرى لا تتكرر، والشارع المنهك لن يحتمل فترة انتقالية جديدة تُدار بعقلية الترقيع والشرعيات المؤقتة.
وأخيرًا، إذا لم يُستثمر هذا الزخم الشعبي والتنظيم العسكري في بناء مسار دستوري واضح ينهي الأزمة من جذورها، فإننا ببساطة سننزلق نحو دوامة لا نهائية من الفترات الانتقالية التي تستهلك الوطن ولا تبنيه.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الثلاثاء | 7 أبريل 2026م







