المندرة نيوز

دكتور عبد العزيز الزبير باشا يكتب.. بين الوساطة وإعادة تشكيل الشرعية

الخرطوم =^المندرة نيوز^
قراءة في تعيين المبعوث الشخصي لأمين العام الأممي إلى السودان*

في لحظة فارقة من تاريخ السودان، لا يمكن التعامل مع تعيين بيكا هافيستو مبعوثًا شخصيًا للأمين العام للأمم المتحدة باعتباره إجراءً تقنيًا محايدًا. المسألة أعمق من ذلك بكثير، وتمس مباشرة كيفية تعريف الصراع، ومن يملك حق تمثيل الدولة، وحدود الدور الدولي في لحظة حرب سيادية.

من الناحية الشكلية، تتحرك الأمم المتحدة ضمن أطر قانونية معروفة. تفويض مجلس الأمن، ومبادئ القانون الدولي الإنساني، خاصة المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف، تمنح المنظمات الدولية حق التواصل مع “جميع أطراف النزاع”. كما أن واقع السيطرة الميدانية يفرض—عمليًا—التعامل مع من يسيطر على الأرض لضمان وصول المساعدات.

هذه هي الحجة الرسمية.

لكن المشكلة ليست هنا.

المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأدوات الإجرائية إلى مدخل لإعادة تعريف الصراع نفسه.

فعندما يُوضع طرف متمرد هالك —مثل محمد حمدان دقلو—في موقع “محاور سياسي إلزامي”، وعندما تُبنى المسارات التفاوضية على فرضية “الأطراف المتكافئة”، فإن الخط الفاصل بين الضرورة الإنسانية وإعادة إنتاج الشرعية يبدأ في التآكل تدريجيًا.

نظريًا، يُقال إن التواصل لا يمنح شرعية.
عمليًا، التكرار يصنع واقعًا.

كل لقاء، كل صورة، كل بيان، يعيد ترسيخ صورة ذهنية:
أن هذا الطرف ليس مجرد فاعل ميداني، بل شريك سياسي لا يمكن تجاوزه.

وهنا يكمن التحول الحقيقي.

*من الوساطة إلى إعادة هندسة المشهد*

التجارب الإقليمية تشير إلى نمط متكرر:
يبدأ الأمر بوساطة إنسانية، ثم يتحول إلى مسار سياسي، ثم ينتهي بإدماج قسري لأطراف لم تُحسم شرعيتها داخليًا.

هذا لا يعني بالضرورة وجود “مؤامرة”، لكنه يعكس منطق عمل دولي يقوم على إدارة النزاع لا حسمه، وعلى احتواء الأطراف لا إعادة تعريف الدولة.

وعندما تتقاطع هذه المقاربة مع مسارات إقليمية تقودها أطراف مثل الهيئة الحكومية للتنمية أو الاتحاد الأفريقي، فإن النتيجة تكون شبكة معقدة من المسارات التي تتعامل مع الواقع كما هو، لا كما تريده الدولة.

*الإشكالية الحقيقية: غياب مركز القرار الداخلي*

لو كان الداخل متماسكًا، لما شكّل هذا النمط أي تهديد حقيقي.

لكن المشكلة أن البيئة الداخلية نفسها تعاني من:
• تعدد مراكز القرار
• غموض في الصفة التمثيلية
• تداخل بين الفاعلين السياسيين والمؤسسات الرسمية

وهنا تصبح أي مبادرة دولية—حتى لو كانت “محايدة”—قادرة على التمدد داخل الفراغ.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الأداء التنفيذي للحكومة الحالية (المعروفة إعلاميًا بـ“حكومة الأمل”) لم ينجح في:
• تثبيت تعريف واضح لطبيعة الصراع
• ضبط قنوات التعامل الخارجي
• فرض مرجعية موحدة للقرار السيادي

وهذا القصور هو ما سمح بمرور تعيين بهذا الحجم دون وضوح كافٍ في آلية القبول أو الرفض.

*الرفض الشعبي: عامل لا يمكن تجاهله*

الأهم من كل ذلك، أن الشارع السوداني—الذي دفع كلفة الحرب من دمه وكرامته—لا ينظر إلى هذه التحركات بعين الحياد.

هناك رفض واضح لأي مسار يُفهم منه:
• إعادة تدوير الأزمة
• أو منح غطاء سياسي لأطراف متهمة بانتهاكات
• أو تجاوز إرادة الدولة ومؤسساتها

هذا الرفض ليس عاطفيًا، بل ناتج عن تجربة مباشرة مع واقع الحرب.

*الخلاصة: ما هو قانوني ليس بالضرورة مقبولًا*

نعم، من حق الأمم المتحدة أن تتواصل مع أطراف النزاع.
لكن ليس من حقها أن تعيد تعريفه.

نعم، يمكن للمبعوث أن يلتقي بفاعلين ميدانيين.
لكن ليس خارج إطار سيادي واضح ومقبول.

ونعم، يمكن للمجتمع الدولي أن يسعى للحل.
لكن ليس عبر خلق توازنات سياسية مصطنعة على حساب الدولة.

*ما المطلوب الآن؟*

المطلوب ليس رفضًا انفعاليًا، بل موقفًا استراتيجيًا واضحًا:
• إعادة ضبط العلاقة مع التمثيل الأممي على أساس السيادة
• توحيد مركز القرار الداخلي بشكل حاسم
• وضع خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها في أي مسار تفاوضي
• وربما الأهم: إعادة تقييم القبول بهذا التعيين في ضوء الواقع السياسي والشعبي

*كلمة أخيرة*
الدول لا تنهار فقط بفعل الحروب،
بل حين تفقد السيطرة على تعريف نفسها.

وفي السودان اليوم،
المعركة لم تعد فقط على الأرض…
بل على المعنى.

*وطن و مؤسسات…*
*السودان اولا”و أخيرا”….*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا…..*
*7/04/2026*

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *