الخرطوم=^المندرة نيوز^
بخبرة العقود التي قضيتها مراقبا في دهاليز السياسة الدولية، أقولها لكم بوضوح: ما يحدث الآن في الخليج ليس مجرد “استراحة محارب”، بل هو وضع شديد التعقيد يتأرجح بين رغبة ترامب في تسجيل نصر سياسي واقتصادي سريع، وبين “أفخاخ” تزرعها المؤسسة العسكرية الأمريكية (البنتاغون) في طريق العودة.
تصريحات ترامب عن “يوم عظيم للسلام” تعكس عقلية التاجر الذي يريد خفض أسعار النفط وإنعاش الأسواق، لكن في المقابل، جاءت كلمات الجنرال “دان كين” لتصب الزيت على النار. حين يشكر الجنرال دول الجوار بالاسم ويؤكد قتالهم جنباً إلى جنب مع واشنطن، فهو لا يقدم “شهادة تقدير”، بل يضع هذه الدول في مواجهة مباشرة مع الغضب الإيراني، وكأنه يغلق أبواب الرجعة أمام أي تقارب “خليجي-إيراني” بعيداً عن المظلة الأمريكية.
هذه الهدنة، برأيي المتواضع، تبدو أقرب لـ “فخ مجهز” لإعادة ترتيب رقعة الشطرنج لا لإنهاء اللعبة؛ فواشنطن دمرت قدرات إيران الدفاعية وتريد الآن فرض واقع جديد بشروط مذلة، بينما تتحين طهران الفرصة للرد على “الطعنات” التي كشفها الجنرال كين علناً.
المؤشرات تقول إن استدامة هذا السلام تتوقف على ضمانات حقيقية لعدم استخدام الأجواء ضد الجيران، وهو أمر يبدو صعباً في ظل حالة “التأهب القصوى” التي أعلنها الأمريكيون.
بالنسبة لنا في السودان، نحن لسنا بعيدين عن هذه العاصفة؛ فاستقرار مضيق هرمز هو الرئة التي يتنفس بها اقتصادنا المنهك، وأي اشتعال هناك يعني قفزة جنونية في أسعار الوقود والسلع عندنا.
لذا، على القادة في السودان الكف عن وضع بيضنا كله في سلة واحدة. الموقف السياسي والدبلوماسي الذكي الآن يتطلب “مرونة استراتيجية”؛ فمن الضروري بناء قنوات اتصال متوازنة لا تستعدي المحاور المتصارعة، مع التركيز على تأمين بدائل لسلاسل الإمداد بعيداً عن مناطق التوتر المباشر.
يجب أن نلعب دور “المراقب الحذر” الذي يستفيد من وعود إعادة الإعمار والتدفقات الاقتصادية دون أن نغرق في الالتزامات العسكرية أو التحالفات التي قد تنفجر في وجه أصحابها في أي لحظة، تماماً كما حدث حين كشف الجنرال كين أوراق حلفائه في لحظة “زهو” عسكري.
بعد اخير :
خلاصة القول، يا سادة، السلام لا يصنعه “المنتصر” وحده بل تضمنه مصالح “المتضررين”. إن تحويل هذه الهدنة الهشة إلى فرصة حقيقية يتطلب من دول المنطقة شجاعة في التفاوض المباشر، بعيداً عن “الوسطاء” الذين يحرقون الجسور بكلمة شكر مسمومة.
وأخيرًا، التاريخ علمنا أن الوعود الاقتصادية البراقة غالباً ما تخفي خلفها فواتير باهظة من السيادة والاستقرار، والحذق هو من يقرأ ما بين السطور قبل أن يوقع على بياض.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الخميس | 9 أبريل 2026م







