المندرة نيوز

د. عبدالعزيز الزبير باشا يكتب: المبعوث الأممي إلى السودان: بين ضرورات الوساطة وحدود السيادة

الخرطوم=^المندرة نيوز^
المبعوث الأممي إلى السودان: بين ضرورات الوساطة وحدود السيادة في لحظة إعادة تشكيل الدولة

في لحظة تتقاطع فيها الحرب مع الجغرافيا السياسية والاقتصاد الدولي، لا يمكن قراءة تعيين بيكا هافيستو مبعوثًا شخصيًا للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان كخطوة إجرائية معزولة. بل هو تطور يعكس كيف ينظر المجتمع الدولي إلى الصراع السوداني، وكيف يحاول إعادة صياغته ضمن أطر تتجاوز الواقع الداخلي، في وقت تعيد فيه الدولة السودانية بناء مركز قرارها وتماسكها الوطني بقيادة عبد الفتاح البرهان.

من الناحية النظرية، تتحرك الأمم المتحدة ضمن قواعد قانونية راسخة. فقرارات مجلس الأمن، ومبادئ القانون الدولي الإنساني، تمنح المبعوثين الدوليين صلاحية التواصل مع جميع أطراف النزاع، بهدف تسهيل الوصول الإنساني وفتح قنوات التهدئة. كما أن واقع السيطرة الميدانية يفرض—في كثير من الأحيان—التعامل مع الفاعلين على الأرض، مهما كانت صفتهم القانونية. هذه هي القاعدة.

لكن ما يحدث في السودان يتجاوز هذا الإطار النظري.

فحين يتحول “التواصل الإنساني” إلى مسار سياسي موازٍ، وحين تُعاد صياغة الأطراف باعتبارها “شركاء تفاوض”، فإننا نكون أمام انتقال غير معلن من إدارة أزمة إلى إعادة هندسة واقع سياسي. وهنا تحديدًا تبدأ الإشكالية.

التعامل مع محمد حمدان دقلو كـ“محاور سياسي” تحت مظلة الوساطة، حتى وإن كان مبررًا من زاوية إجرائية، يخلق أثرًا تراكميًا لا يمكن تجاهله. فالتكرار في العلاقات الدولية يصنع الاعتراف الضمني، والصور واللقاءات تُترجم في النهاية إلى وقائع سياسية، حتى وإن لم تُعلن رسميًا.

هذا النمط ليس جديدًا. فقد شهدت ملفات إقليمية عديدة تحولات مشابهة، حيث بدأت الوساطة من بوابة إنسانية، وانتهت بإعادة إدماج أطراف مسلحة ضمن ترتيبات سياسية انتقالية، قبل أن تُحسم مسألة الشرعية على الأرض. وهو ما يجعل السودان اليوم في قلب معادلة حساسة: هل يُدار الصراع وفق منطق الدولة، أم وفق منطق “توازن الأطراف”؟

السودان في قلب الجغرافيا السياسية الجديدة

لفهم أعمق، يجب وضع ما يجري ضمن سياق أوسع. السودان ليس دولة هامشية في النظام الدولي، بل يقع في نقطة تقاطع حيوية بين:
• البحر الأحمر، أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية
• القرن الأفريقي، ساحة التنافس الدولي والإقليمي
• العمق العربي والأفريقي، حيث تتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية

هذا الموقع يجعل أي تطور داخلي في السودان محل اهتمام مباشر من قوى دولية وإقليمية، تسعى—كل بطريقتها—لضمان مصالحها. وفي هذا السياق، تصبح الوساطات الدولية جزءًا من شبكة أوسع من التوازنات، لا مجرد أدوات حيادية.

ولا يمكن إغفال البعد الجيو-اقتصادي. فالسودان يمتلك موارد استراتيجية، من الأراضي الزراعية إلى المعادن، ويشكل عنصرًا مهمًا في معادلات الأمن الغذائي والطاقة. ومع تصاعد التنافس العالمي على الموارد، يصبح استقرار السودان—أو عدم استقراره—عاملًا مؤثرًا في حسابات أوسع.

وهنا تبرز ظاهرة “وسطاء الطاقة” وبعض الفاعلين غير الحكوميين الذين يسعون إلى استثمار حالة السيولة الحالية، إما عبر التأثير على مسارات القرار، أو عبر محاولة توجيه مخرجات الصراع بما يخدم مصالحهم. هذه التحركات لا تظهر دائمًا في العلن، لكنها تشكل جزءًا من المشهد الحقيقي.

تماسك الجبهة الداخلية: المتغير الحاسم

في مقابل هذا التعقيد الخارجي، يبرز تطور داخلي بالغ الأهمية:
الجبهة الداخلية السودانية لم تكن بهذا القدر من التماسك منذ بداية الأزمة.

الدعم الشعبي الواسع الذي يحظى به عبد الفتاح البرهان، والذي يقترب—بحسب المشاهدات الميدانية—من الإجماع في الشارع، يعكس تحولًا نوعيًا في المزاج العام. فبعد تجربة قاسية من الحرب والنزوح والانتهاكات، أصبح هناك وعي متزايد بأهمية الدولة ومؤسساتها كضامن وحيد للاستقرار.

هذا الدعم لم يبقَ داخليًا فقط، بل انعكس في الحراك الخارجي. الزيارات الدولية التي قام بها البرهان خلال الفترة الماضية أسهمت في:
• كسر العزلة السياسية
• إعادة طرح الرواية السودانية في المحافل الدولية
• بناء شبكة دعم إقليمي ودولي أكثر توازنًا

هذه التحركات أعادت السودان إلى موقع الفاعل، بدل أن يكون مجرد ساحة صراع.

محاولات إضعاف هذا التماسك

لكن، وكما هو متوقع في مثل هذه اللحظات المفصلية، هناك قوى تعمل في الاتجاه المعاكس.

هذه القوى لا تتحرك بالضرورة بشكل مباشر، بل عبر:
• تضخيم الخلافات الداخلية
• خلق قنوات تواصل موازية خارج الإطار الرسمي
• الدفع نحو مسارات تفاوضية لا تعكس ميزان القوى الحقيقي
• استثمار الضغوط الإنسانية لإعادة تشكيل الأولويات السياسية

الهدف ليس دائمًا إسقاط الدولة، بل أحيانًا إضعافها بما يكفي لجعلها قابلة للتأثير.

وفي هذا السياق، يصبح تعيين مبعوث أممي دون وضوح كامل في آلية القبول، وترافقه مع تحركات ميدانية حساسة، جزءًا من معادلة أوسع يجب التعامل معها بحذر استراتيجي، لا بردود فعل انفعالية.

بين القانون والواقع: أين تقف السيادة؟

صحيح أن القانون الدولي يمنح الأمم المتحدة هامشًا للتحرك، لكن هذا الهامش ليس مفتوحًا بلا حدود. فهناك فرق جوهري بين:
• التواصل الإنساني الضروري
• وإعادة تشكيل الواقع السياسي

الدول القوية لا ترفض الوساطة، لكنها تضع شروطها.
ولا تعارض الانخراط الدولي، لكنها تحدد إطاره.

وفي الحالة السودانية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود مبعوث، بل في كيفية التعامل معه:
• هل ضمن إطار سيادي واضح؟
• أم ضمن مسارات مفتوحة قد تُعيد تعريف الصراع؟

الخلاصة: لحظة حسم هادئة

السودان اليوم أمام لحظة دقيقة، لكنها أيضًا فرصة.

فرصة لإعادة تثبيت مفهوم الدولة،
وفرصة لإعادة ضبط العلاقة مع المجتمع الدولي،
وفرصة لتحويل التماسك الداخلي إلى قوة تفاوضية حقيقية.

تعيين بيكا هافيستو قد يكون في ظاهره خطوة دبلوماسية، لكنه في جوهره اختبار:
اختبار لقدرة الدولة على فرض تعريفها لنفسها،
واختبار لمدى تماسك جبهتها الداخلية،
واختبار لحدود السيادة في زمن تتداخل فيه المصالح.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: من هو المبعوث؟
بل: من يحدد قواعد اللعبة؟

الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد مسار السودان في المرحلة القادمة….

د. عبدالعزيز الزبير باشا….
10/04/2026

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *