الخرطوم=^المندرة نيوز^
يُظهر المشهدان الأمني والسياسي أن البلاد تدخل طورًا جديدا من ترتيبات الانتقال ، يتجاوز إدارة الحرب إلى إعادة صياغة معـادلة الدولة والحكم. بما يفتح المجال أمام استقرارٍ مستدام. وفي هذا المقال، نقارب هذا الواقع عبر زوايا متعددة لفهم تعقيداته واستشراف مآلاته القريبة والبعيدة.
التقدم الذي تحققه القوات المسلحة في محوري كردفان والنيل الأزرق يُقرأ كإعادة ترجيح لمركز المبادرة داخل الدولة. فاستعادة الأرض في سياق حرب ممتدة تعني عمليًا انتقال الثقل من الدفاع إلى إعادة تعريف شروط الفعل السياسي والعسكري، بما يحقق القدرة على صياغة ما بعد الحرب.
هذا التحول يتقاطع مع مسار سياسي بدأ يتشكل تدريجيًا، يتمثل في إعلان رئيس الوزراء كامل إدريس عن إطلاق حوار سوداني – سوداني مايو المقبل، بغرض إدماج القوى السياسية داخل معادلة الدولة بعد سنوات من التشظي. غير أن هذا المسار لا يتحرك بمعزل عن فانتازيا التحولات، إذ يتواتر حديث عن ترتيبات دستورية مرتقبة قد تنقل البلد للعمل بدستور 2005 مع تطوير في السياقات القانونية، ذلك يفتح الباب أمام إعادة هندسة الحكم ، بما يعكس انتقال الدولة من إدارة الحرب إلى استقرار الدولة.
لذلك من المرجح طرح مقاربات للانتقال إلى مرحلة جديدة قد تشهد إعادة تعريف لرأس الدولة ومن ثم ترتيب الوزارة، في إطار تسوية سياسية محتملة تعيد تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية وبقية مكونات الحكم.
وبغض النظر عن رجاحة التفاصيل المتداولة ، فإن الدلالة الأهم تكمن في أن النقاش لم يعد يدور حول إدارة الحرب، بل حول إعادة تأسيس الدولة.
إقليميًا، يتشكل المشهد على إيقاعٍ جديد أكثر تعقيدًا . فزيارة الرئيس عبد الفتاح البرهان إلى سلطنة عُمان، بعد محطة جدة ولقائه بـمحمد بن سلمان، تعكس استمرار المملكة العربية السعودية في الإمساك بخيوط الملف السوداني، امتدادًا لدورها في مفاوضات جدة التي أفضت إلى اتفاق 11 مايو 2023. في المقابل، تدخل علي الخط، سلطنة عُمان كوسيطٍ دبلوماسي هادئ، قادر على فتح مسارات تواصل مع الإمارات العربية ، لتمرير ما عجزت عنه عواصم اخري مثقلة بالاستقطاب وحسابات النفوذ.
في هذا الإطار، يكتسب الخبر الذي أوردته منصة “المحقق” حول احتمال وساطة عُمانية بين السودان والإمارات دلالة مهمة، إن صحت، إذ لا تبدو مجرد محاولة لوقف الحرب، بل أقرب إلى إدارة “مخرج سياسي” ، يهدف إلى تخفيف كلفة الاستنزاف، وإعادة ترتيب العلاقة بين أطراف إقليمية منخرطة في الصراع، بما يسمح بانتقال سياسي مستقر في البلاد.
لكن السؤال المهم : لماذا يُطرح الحديث عن إنهاء الصراع في السودان عبر الحوار من بوابة عُمان تحديدًا؟ ولماذا الآن، وليس قبل ذلك؟ ولماذا في لحظة بدأ فيها الحديث عن تحركات سياسية و الدبلوماسية متعلقة بعودة محتملة لعدد من السياسين المعارضين وإطلاق حوار سياسي.
علي أية حال هذه الصورة لا تكتمل دون النظر إلى البنية الداخلية الأكثر تعقيدًا داخل الدولة. فالمشهد لا يقوم على قيادة منفردة، ولا على حلفاء متساوين، بل على تحالف قيادة تحيط بها دوائر دعم متعددة المستويات.
ففي هذا الإطار، تمثل حركات سلام دارفور بقيادة مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم وطمبور ومالك عقار و غيرهم مستوى متقدمًا من الشراكة السياسية العسكرية، التي تجاوزت فكرة الدعم إلى المشاركة في إدارة الدولة. فهي ليست فقط قوى حليفة، بل أصبحت جزء من بنية القرار التنفيذي والسياسي، بما يجعلها فاعلًا في صياغة شروط الاستقرار.
إلى جانب ذلك، يشكل تيار الشباب المستنفرين ذو الخلفية الإسلامية بعدًا مختلفًا في هذه المعادلة، إذ يمثل قوة تعبئة اجتماعية واسعة أعادت الحرب إنتاجها داخل الفضاء العسكري. هذا التيار لا يشارك في القرار المؤسسي المباشر، لكنه يشكل “عمقًا جماهيريآ ” للدولة، يمنحها قدرة على الاستمرار في الحرب، ويؤثر في سقف الخيارات السياسية عبر منطق الاستنفار ، بما يجعل أي تسوية مستقبلية ملزمة بأخذ هذا البعد في الاعتبار.
أما في الضفة المقابلة فإن عودة النور القبة، أحد القيادات الميدانية البارزة داخل مليشيا الدعم السريع، إلى حضن الوطن، لا تعني مجرد انشقاق فردي، بل تعكس احتمال تصدع تدريجي في البنية الداخلية للمليشيا، حيث تبدأ الحرب بالإنتقال من تماس خارجي إلى تفكك داخلي. والقادة من هذا المستوى ليسو مجرد مقاتلين، بل حاملون لمفاتيح الشبكات التنظيمية والولاءات الميدانية والقبلية. بالنظر إلى الثنائية التي يمكن أن يشكلها مع الشيخ موسي هلال الذي انحاز في وقت مبكر لصالح الدولة السودانية.
عند هذا التقاطعات، يتشكل المشهد من ثلاث دوائر : دائرة تعيد ترجيح ميزان القوة لصالح الدولة، واخري تمثل مسار داخلي يعيد صياغة الدستور وبنية الحكم عبر الحوار والتسويات، وثالثة حراك إقليمي يحاول إدارة الانتقال دون تفجير التوازنات. وبين هذه الدوائر، تتحرك الصفقة الجديدة.
بحسب #وجه_الحقيقة ، لا يقف السودان أمام حرب تُحسم أو سلام يُعلن، بل أمام لحظة انتقال شديدة الحساسية، تُعاد فيها الدولة من خطوط القتال، إلى فضاء السياسة. لتُبنى المسافة بين الحسم العسكري والدستور، بين التحالفات الداخلية وإعادة التموضع الإقليمي، وبين ما يُحسم بالقوة وما يُستقر عليه بالسياسة والحوار. إنها لحظة لا تُختصر في حدث، بل تُقرأ كعملية إعادة تأسيس كاملة لدولة السودانية التي تُولد من داخل امتحانها.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 23 أبريل2026م






