المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. “سؤال” بلا بطاقة.. حين تصبح كرامة الصحفي مهدداً أمنياً ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل تكفي بطاقة بلاستيكية صغيرة لتحمي كرامة الإنسان في الشارع، أم أن غيابها يمنح الحق في إلغاء إنسانيته تماماً؟ هذا السؤال ليس مجرد ترف فكري، بل هو الواقع المرير الذي تجسد مؤخراً في شوارع الخرطوم. عندما خرج الإعلامي المعروف أحمد علي عبد القادر من منزله، نسي بطاقته الصحفية، لكنه لم ينسَ حقه كمواطن في السؤال. غياب تلك البطاقة كان كافياً لتتحول لحظة استفسار عادية عن قائد القوة الأمنية الميدانية إلى مشهد اعتداء جماعي وحشي، يعيد إلى الواجهة أزمة عميقة تتعلق بآلية التعامل مع الكلمة والمساءلة في فترات الاستثناء والتوتر الأمني.

الحادثة لم تمر كعابر سبيل في فضاء منصات التواصل الاجتماعي؛ فقد أشعلت موجة عارمة من الاستنكار والتضامن من قبل زملائه والنشطاء الحقوقيين. تحرك أحمد قانونياً ودون بلاغاً رسمياً لملاحقة المتورطين، في خطوة تؤكد أن الوعي بالحقوق لا يسقط بالترهيب أو قوة السلاح. لكن القضية تتجاوز تفاصيل هذا الاعتداء الفردي المدان لتمس جوهر الحريات العامة؛ إنها تضعنا أمام مرآة تكشف كيف يمكن لـ “سؤال واحد” أن يُفسر كتهديد أو تطاول، بدلاً من أن يُفهم كأداة طبيعية لبناء الجسور بين المواطن والسلطة التي من المفترض أنها تحميه وتخدمه.

تفكيك هذا المشهد يأخذنا إلى ما وراء الحادثة مباشرة، حيث نجد خيطاً خفياً يربط بين غياب التوعية الحقوقية لدى بعض أفراد القوات الميدانية، والشعور الزائف بالحصانة المطلقة أثناء تنفيذ الحملات. عندما يعتقد رجل الأمن أن مجرد السؤال يمثل تحدياً لسلطته، فإن النتيجة الحتمية هي اتساع الفجوة وتآكل الثقة بين الشارع ومؤسسات الدولة. هذا التوتر المكتوم لا يضر بالصحافة وحدها، بل يهدد السلم المجتمعي في مقتل؛ فالصحفي ليس عدواً يتربص بالدولة، بل هو عين المجتمع الحية التي تنقل الحقيقة وتساعد صاحب القرار على رؤية مواطن الخلل لإصلاحها.

إذا نظرنا إلى التجارب الدولية التي مرت بأزمات وطنية شبيهة، مثل مراحل الانتقال الصعبة في جنوب إفريقيا أو بعض دول أمريكا اللاتينية، نجد أن هذه المجتمعات أدرعت سريعاً أن حماية الصحفيين وضمان تدفق المعلومات هما ركيزتان أساسيتان للأمن القومي، وليسا عبئاً عليه. عندما تغيب الصحافة المهنية بسبب الخوف أو الترهيب، لا يخلع المجتمع رداء الفضول، بل يمتلئ الفراغ فوراً بالإشاعات والأخبار الكاذبة التي تدمر الجبهة الداخلية وتماسكها بشكل أخطر من أي مهدد خارجي. والمواطن اليوم، الذي يعيش تفاصيل الأزمة الراهنة بكل ثقلها، يحتاج إلى إعلام قوي يثق به، لا إلى صحفيين يخشون السير في الطرقات.

إن خطورة ما حدث لإعلامي معروف تكمن في الرسالة الضمنية التي تصل إلى المواطن البسيط؛ فإذا كان هذا هو حال من يمتلك صوتاً مسموعاً ومنبراً يدافع به عن نفسه، فما هو مصير الإنسان العادي الذي قد تقوده الظروف لموقف مماثل؟ رفع مستوى التوتر الفكري هنا يتطلب منا الإجابة بشجاعة عن سؤال الهوية والأمن: هل نبني دولة قانون تحمي الجميع بموجب مواطنتهم، أم نؤسس لشرعنة العنف بناءً على غياب وثيقة؟ إن المساس بحرية الصحفي وأمانه هو مساس مباشر ببنية الأمن القومي في أعمق تجلياته الاستراتيجية.

بعد اخير:

خلاصة القول، حماية الصحفيين ليست امتيازاً فئوياً يُمنح لطبقة معينة، بل هي صمام أمان الدولة لحماية نفسها من العمى السياسي والمعلوماتي.

وأخيرًا، إن الوطن الذي يخشى فيه الإعلامي من طرح سؤال، هو وطن يمهد الطريق لسيادة الصمت المريب؛ وحين يصمت العقلاء مجبرين، تتحدث الفوضى بملء فيها.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 1 يونيو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *