الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل يمكن لقرار صِيغَ خلف الكواليس في واشنطن أن يغير مجرى حياة مواطن سوداني يبحث عن الأمان في قريته؟ هذا السؤال ليس مجرد تساؤل سياسي عابر، بل هو جوهر القضية التي برزت مع تحرك لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي مؤخرًا، وإبلاغها الإيجابي عن مشروع القانون رقم 1939 المعرف باسم “قانون مشاركة الولايات المتحدة في السلام السوداني”. هذا التحول التشريعي يعيد ترتيب الأوراق الدبلوماسية، ويضع الشراكة السودانية الأمريكية أمام اختبار حقيقي يتجاوز لغة البيانات الرسمية، ليلامس واقعًا إنسانيًا وسياسيًا معقدًا يتطلب الكثير من الفهم والتدقيق من كافة الأطراف المعنية.
الأمر يتجاوز مجرد فكرة الدعم الإنساني التقليدي؛ فالقضية اليوم تتركز في كيفية صياغة هذا الدعم دون المساس بكيان الدولة وسيادتها الوطنية. والملمح الأبرز في هذا التطور تمثل في الموقف البنّاء لرئيس اللجنة براين ماست والعضو البارز غريغوري ميكس، اللذين استجابا لصوت الحكمة وقاما بإلغاء البند المتعلق بسحب شرعية التمثيل السوداني في المحافل الدولية عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا التراجع الذكي لا يحسب كونه مجرد مناورة دبلوماسية، بل هو اعتراف واقعي بأن تفكيك مؤسسات الدولة الشرعية لا يخدم مسار السلام، وإنما يفتح الباب لسيناريوهات الفوضى الشاملة التي دفع العالم ثمنها غاليًا في تجارب دولية وإقليمية سابقة.
إن الوعي بطبيعة الصراع هو المفتاح الأساسي لأي حل مستدام، وهنا تكمن الأهمية القصوى في التمييز بين مؤسسات الدولة الدستورية وأي أطراف أخرى. لا يستقيم منطق السياسة، ولا مبادئ العدالة، حين توضع القوات المسلحة السودانية، باعتبارها المؤسسة الوطنية الحامية لكيان البلاد، في كفة موازية مع قوات الدعم السريع التي وصفت ذات اللجنة ممارساتها بالإبادة الجماعية.
المساءلة والمحاسبة مطلوبتان بلا شك، والسودان اعلن التزامه بهما دون مواربة، لكن العدالة الحقيقية تتطلب وزن الأمور بميزان الواقع، وعدم الخلط بين واشج الدولة الوطني وظواهر التمرد العسكري التي تهدد السلم المجتمعي.
الوصول إلى سلام دائم ليس مستحيلاً إذا بنيت المواقف على أسس صحيحة؛ فالسودان اعلن بوضوح التزامه بمسار يقوده أبناؤه نحو تحول مدني ديمقراطي حقيقي، يضمن تدفق المساعدات للمحتاجين ويشرك الشباب والنساء في صنع المستقبل.
بعد اخير :
خلاصة القول، التجربة أثبتت أن الحوار القائم على الاحترام المتبادل، كالذي جرى لتعديل مسودة القانون الأمريكي الأخير، هو الطريق الوحيد لتقريب وجهات النظر وتحقيق الأهداف المشتركة.
وأخيرًا، الحرب ستنتهي في نهاية المطاف، والمستقبل الديمقراطي هو الغاية الإستراتيجية لشعبنا، لكن صياغة هذا المستقبل تتطلب وعيًا دوليًا يدرك أن إضعاف الدول ليس خطة لصناعة السلام. إن محاولة إطفاء الحريق بتهديم الجدران الحاملة للمنزل لا تحمي الساكنين، بل تدفنهم تحت الأنقاض.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
السبت | 13 يونيو 2026م







