الخرطوم=^المندرة نيوز^
في السودان، يبدو أن الكهرباء هي الخدمة الوحيدة التي لا يمكن للمواطن أن يثق في وجودها ساعة بعد أخرى. فالتيار يأتي على استحياء، ويغادر بثقة، بينما لا تتأخر البيانات الرسمية في الوصول، وكأن المطلوب من الناس أن يكتفوا بالاعتذار بدل الكهرباء.
وزارة الطاقة لا ينقصها إصدار البيانات، لكنها بحاجة إلى إصدار الكهرباء أولًا. فكل أزمة لها رواية، وكل انقطاع له مبرر، وكل بيان ينتهي بعبارة: “نعمل على المعالجة”. أما النتيجة على الأرض فهي أن المواطن يحفظ الأعذار أكثر مما يحفظ جدول الإمداد الكهربائي.
المفارقة أن الحكومة تتحدث عن العودة الطوعية، بينما الواقع يقول إن العودة تحتاج إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. فكيف يُطلب من المواطن أن يعود إلى منزله وهو لا يعرف متى تضاء لمبة، أو تعمل مضخة مياه، أو يستقر التيار في مستشفى أو سوق أو مدرسة؟
وفي كل مرة يقع عطل كبير، يبرز سؤال بسيط لكنه مؤلم: هل لدينا إدارة تستعد للأزمات، أم إدارة تنتظر وقوعها ثم تبدأ رحلة البحث عن الحلول؟ فالمرافق الحيوية في العالم تُدار بخطط بديلة وقطع غيار جاهزة وسيناريوهات للطوارئ، لا بسياسة “نرى ماذا سيحدث غدًا”.
المواطن لا يطلب معجزة، ولا ينتظر أن تصبح الكهرباء بلا انقطاع، لكنه يتساءل: لماذا تتكرر الأعطال نفسها؟ ولماذا يبدو أن كل عطل يتحول إلى أزمة وطنية؟ ولماذا لا يسمع الناس عن مراجعات شاملة أو إعلان نتائج التحقيقات أو محاسبة من يثبت تقصيره؟
إذا كانت المشكلة في الإدارة، فلتُصلح الإدارة. وإذا كانت في الإمكانات، فلتُعالج الإمكانات. وإذا كانت في غياب الخبرة، فلا حرج في الاستفادة من خبرات خارجية تعيد بناء القطاع وتدرب الكوادر الوطنية. فالاعتراف بالحاجة إلى الإصلاح ليس ضعفًا، أما الإصرار على تكرار النتيجة نفسها وانتظار نتيجة مختلفة، فهو ما يصعب فهمه.
لقد دفع المواطن فاتورة الكهرباء مقدمًا، ثم دفع بعدها فاتورة المولدات، والوقود، وتعطل الأعمال، وفساد الأدوية والأطعمة، وضياع الوقت. ويبقى السؤال: كم فاتورة أخرى سيدفعها قبل أن يشعر بأن قطاع الكهرباء يعمل من أجله لا أنه يطالبه فقط بمزيد من الصبر؟
الظلام ليس قدرًا، لكنه يصبح كذلك عندما يغيب التخطيط، وتتكرر الأعذار، ويتأخر الإصلاح. وحينها، لا تكون أزمة الكهرباء مجرد انقطاع للتيار، بل انقطاعًا للثقة أيضًا.





