المندرة نيوز

“نساء لبنان”.. من خطوط النزوح إلى مواقع القرار والأمن

الخرطوم=^المندرة نيوز^
عندما نقدّم الدعم والفرص والحماية والتضامن للنساء والفتيات، فإن المجتمع بأسره يكسب المزيد من العدالة والقدرة على الصمود والتنمية المستدامة. وكما في كل الازمات فان النساء في لبنان، هن من بين الفئات الاكثر تضررا، وهن ايضا في الخطوط الامامية للاستجابة، كما اثبتت الازمة التي يمر بها لبنان، إن النساء قدّمن الرعاية للأسر النازحة، ونظمن الدعم، واوصلن المساعدات، وساهمن في الحد من تصاعد التوترات، وغالباً ما يقمن بذلك وهنّ أنفسهن نازحات.

يواجه لبنان منذ ثلاثة أعوام أزمة إنسانية وأمنية خطيرة نتيجة تصاعد الأعمال العدائية المسلحة والنزوح الواسع للسكان في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، الأمر الذي زاد من الضغوط على واقع اقتصادي واجتماعي هشّ أساسًا. وقد أدّت أعمال العنف المتصاعدة والغارات الجوية المتكررة ونزوح آلاف العائلات في عدد من المناطق اللبنانية إلى تعطيل شديد في الوصول إلى الخدمات الأساسية للمرأة، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم وخدمات الحماية وسبل العيش، بالاضافة الى وضع المرأة في الأحزاب السياسية في لبنان والتحديات التي تواجهها لتعزيز دورها باعتبارها شريكًا أساسيًا في عمليات صنع القرار، والمساهمة في إيجاد حلول فعّالة للتحديات الأوسع التي يواجهها لبنان.

بعيدا من عناوين الأزمات والصراعات، تخوض النساء اللبنانيات في المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية معركة مختلفة؛ معركة لإثبات الكفاءة وكسر الصور النمطية. ورغم أن الطريق لا يزال طويلا، فإن حضورهن يتوسع تدريجيا في الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام، مدعوما بإصلاحات مؤسسية ورؤية متنامية لأهمية دور المرأة في الأمن والسلام، فمسيرتهن داخل المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية، والتقدم الذي تحقق، والتحديات التي لا تزال قائمة، ودورهن المتنامي في دعم الأمن والاستقرار، يساعد في تعزيز أجندة المرأة والسلام والأمن.

نسأل كيف تأثرت النساء والفتيات في لبنان بالعدوان الإسرائيلي؟ فمنذ 2 آذار2026، أُجبرت نحو 620 ألف امرأة وفتاة على النزوح من منازلهن. ويمثّل ذلك ما يقارب ربع مجموع النساء والفتيات في لبنان، وأكثر من نصف النازحين، ويأتي هذا التصعيد في سياقٍ كانت فيه النساء يعانين أصلاً من أوجه عدم المساواة، بما في ذلك محدودية الوصول إلى الدخل، وعدم تكافؤ الحمايات القانونية، وضعف الخدمات المتوافرة لهنّ. واليوم، تتعمق هذه الهشاشة بفعل النزوح، وفقدان سبل العيش،

وتراجع شبكات الدعم حيث اضطرت بعض النساء والفتيات إلى اتخاذ خيارات قاسية ومؤلمة، كالفرار من منازلهن ليلاً من دون وجهة واضحة، وفقدان مصادر رزق أسرهن، وترك شعورهن بالأمان وكل ما هو مألوف خلفهن. إن 85 في المئة من النساء والفتيات النازحات يعشن خارج مراكز الإيواء الرسمية، في شقق مكتظة وترتيبات سكن غير ملائمة، فيما تستضيف بيروت وجبل لبنان العدد الأكبر من النازحين والنازحات. ولا تقتصر هذه الظروف على كونها قاهرة فحسب، بل تنطوي أيضاً على مخاطر حماية جدية، بما في ذلك الاستغلال والإساءة والعنف القائم على النوع الاجتماعي. ومع تعطّل خدمات الحماية والعدالة الأساسية، يواجه النساء والفتيات صعوبات متزايدة في الإبلاغ عن الانتهاكات وطلب الحماية.

الأمم المتحدة
وعلى صعيد آخر فإن ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في لبنان أنانديتا فيليبوس كانت حذرت من تفاقم معاناة النساء والفتيات في لبنان جراء النزاع والنزوح، مشيرة إلى أن “عدد النازحين في البلاد بلغ نحو 1.4 مليون شخص – أي أكثر من 20% من السكان – بينهم 16 ألف امرأة حامل يواجهن تحديات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية والحماية”. ولفتت فيليبوس إلى أن “النساء والفتيات يشكلن أكثر من نصف النازحين”، مشيرة إلى أن “نسبة النزوح في لبنان هي من بين الأعلى في العالم”. وأوضحت أن “الغارات الجوية الأخيرة في جنوب لبنان ألحقت أضرارا بمراكز صحية ومستشفيات”. وأكدت أن “صندوق الأمم المتحدة للسكان يعتمد على العيادات المتنقلة للوصول إلى المتضررين، لكنه لا يستطيع تعويض خدمات الولادة والرعاية المتخصصة التي تتطلب مستشفيات آمنة ومجهزة”. كما شددت على “أهمية استمرار وصول المساعدات الإنسانية وإنهاء الأعمال العدائية”. وفي ما يتعلق بالتمويل، أشارت إلى أن “الأمم المتحدة أطلقت نداءً إنسانيا عاجلا للبنان بقيمة 25 مليون دولار لمواجهة الحاجات المتزايدة، إلا أنه لا يزال يعاني نقصًا حادًا في التمويل”، محذرة من أن “أي تراجع في الدعم سيؤدي إلى تقليص خدمات حيوية تشمل العيادات المتنقلة والقابلات والأخصائيين الاجتماعيين وخدمات الحماية”، معتبرة أن “النساء النازحات يحتجن إلى الحماية والرعاية الصحية قبل أي شيء آخر، لكن مطلبهن الأساسي يبقى العودة الآمنة إلى منازلهن”.

البنك الدولي
وكان البنك الدولي قد أصدر النسخة الحادية عشرة من تقرير “المرأة وانشطة الاعمال والقانون 2026” حيث كشف التقرير عن فجوة واضحة بين وجود قوانين داعمة للمساواة وبين فعالية تطبيقها على أرض الواقع. فقد بلغ المتوسط العالمي لمؤشر الأطر القانونية 67 من أصل 100، ما يعكس استمرار فجوة ملحوظة في المساواة القانونية بين الجنسين. أما متوسط مؤشر الأطر الداعمة فقد وصل إلى نحو 47 نقطة، ما يعني أن أقل من نصف الأنظمة اللازمة لدعم تنفيذ هذه القوانين متوفّر. في المقابل، بلغ متوسط مؤشر تصوّرات تنفيذ القوانين 53 نقطة، ما يشير إلى أن حقوق المرأة تُطبّق جزئياً فقط في العديد من الدول.
قضايا تؤثر على وضع المرأة

يذكر ان هناك أربع قضايا قديمة جديدة تؤثر على وضع المرأة اللبنانية: وجود قانون الأحوال الشخصية الديني، وقانون الجنسية الذي يراعي النوع الاجتماعي، والعنف الأسري، وزواج القاصرات، حيث يُعدّ الأخيران من مظاهر العنف القائم على النوع الاجتماعي. وتؤثر هذه القضايا الأربع، التي تناولتها هذه الورقة، على جميع المواطنات اللبنانيات، ولكن ليس بالضرورة على الفئتين الأخريين من النساء.

القرار 1325
وكانت الحكومة اللبنانية قد أقرت خطة العمل الوطنية الثانية لتطبيق قرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والسلام والأمن التي أعدّتها الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، حيث اعلنت الهيئة ممثلة برئيستها السيدة الاولى نعمت عون عن تنفيذ الخطة، معتبرة ان “الخطة تنتقل من مرحلة الإعداد والاعتماد إلى مرحلة العمل الفعلي والنتائج الملموسة. فاعتماد الحكومة اللبنانية للخطة لم يكن غاية بحد ذاته، بل كان إعلانًا لالتزام الدولة اللبنانية تحويل المبادئ إلى سياسات، والسياسات إلى إجراءات، والإجراءات إلى أثر حقيقي ينعكس على مؤسسات الدولة وعلى حياة النساء والفتيات في لبنان”. مشيرة الى ان “هذه الخطة اعدت بقيادة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، وبمشاركة فاعلة من الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والأجهزة الأمنية والعسكرية ومنظمات المجتمع المدني والشركاء الدوليين، ونجاح هذه الخطة لن يتحقق من خلال الاجتماعات الدورية أو إعداد التقارير فحسب، بل من خلال إدماج أهدافها في السياسات العامة، والخطط القطاعية، والبرامج التنفيذية، وآليات العمل اليومية، وتوجيه الموارد المتاحة لتحقيق النتائج التي التزمت بها الدولة اللبنانية”.

واعتبرت الهيئة ان “قرار مجلس الأمن 1325 ليس مجرد التزام دولي، بل يشكل إطارًا وطنيًا لتعزيز الأمن والاستقرار والحوكمة الرشيدة. فإشراك النساء في صنع القرار، والوقاية من النزاعات والاستجابة للأزمات، وبناء السلام، وإعادة الإعمار، لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة لتحقيق تنمية أكثر شمولًا ومجتمعات أكثر قدرة على الصمود. وقد أثبتت المرأة اللبنانية، خلال السنوات الماضية، وفي ظل الأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان، أنها شريك أساسي في إدارة الأزمات، والعمل الإنساني، وتعزيز التماسك المجتمعي، وإعادة بناء الثقة داخل المجتمعات المحلية”.

على صعيد آخر كانت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية قد اثنت على الاعلام الموجه للمصارف الرقم 979 والقاضي بتفعيل حق المرأة المتزوجة بفتح حساب لأولادها القاصرين، وذلك لما له اثر مباشر في تعزيز دور الام كشريكة فاعلة في اتخاذ القرارات المالية المتعلقة بأطفالها.

في الختام يبقى أن تحقيق المساواة بين الجنسين هي مسؤولية وطنية وإنسانية وعلى جميع الجهات الفاعلة من حكومة ومجتمع مدني ومنظمات دولية العمل لضمان تمتع النساء والفتيات بحقوقهن كاملةً دون تمييز أو استثناء، علما ان وضع المرأة في لبنان العام 2026 شهد تقدما ملحوظا في القطاعات الامينة والعسكرية ومبادرات الاصلاح القانوني الى جانب استمرار التحديات الهيكلية في المشاركة السياسية والاقتصادية.

إعداد: أنطوانيت أبو الياس

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *