المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. الانسان العارى : الدكتاتورية الخفية للعالم الرقمى (٣) ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
ثالثا: التحالف الخفي.. حين تزوّجت الشركات الرقمية بأجهزة الاستخبارات..

لم يعد التجسس في العالم المعاصر عملاً سريًا تقوم به الدول وحدها عبر الجواسيس والأقمار الصناعية، بل أصبح نظامًا كونيًا مفتوحًا تشارك فيه الشركات الكبرى طوعًا، وتُسهم فيه الأجهزة الاستخباراتية بغطاءٍ قانونيٍّ وأمنيٍّ محكم. في كتاب «الإنسان العاري»، يكشف مارك دوغان وكريستوف لابي عن الوجه الأكثر ظلمة في الثورة الرقمية: تحالف المصالح بين عمالقة التكنولوجيا وأجهزة المراقبة الدولية، الذي جعل من الإنسان الحديث هدفًا دائمًا للمتابعة والرصد.

يبدأ المؤلفان من اللحظة المفصلية التي غيّرت قواعد اللعبة: أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. فباسم الحرب على الإرهاب، فُتحت الأبواب أمام المراقبة الشاملة، وارتُكبت أخطر عمليات انتهاك للخصوصية في التاريخ المعاصر. ومنذ ذلك التاريخ، تلاقت مصالح الشركات الرقمية العملاقة مع أجهزة الأمن القومي الأميركية، وعلى رأسها وكالة الأمن القومي (NSA). فقد كانت هذه الأخيرة بحاجة إلى أدوات تكنولوجية متقدمة لجمع المعلومات، بينما كانت الشركات تمتلك المفاتيح: بيانات المستخدمين حول العالم.

من هنا وُلد ما يسميه الكاتبان «التحالف الخفي»، الذي جعل من المراقبة عقيدة رقمية جديدة. أشهر مثال على ذلك هو برنامج PRISM الذي كشفه المتعاقد السابق مع الاستخبارات الأميركية إدوارد سنودن عام 2013. هذا البرنامج كان يتيح لوكالة الأمن القومي الوصول المباشر إلى خوادم شركات مثل غوغل، فيسبوك، مايكروسوفت، وآبل، لجمع بيانات المستخدمين دون علمهم. لم تعد المراقبة إذًا استثناءً قانونيًا، بل أصبحت وظيفة بنيوية في بنية الإنترنت ذاته.

ويشير الكاتبان إلى أن هذه العلاقة بين الشركات والأجهزة الأمنية ليست علاقة استغلال، بل شراكة مصالح متبادلة. فالشركات تحصل في المقابل على حماية سياسية وامتيازات اقتصادية ضخمة، بينما تحصل الدول على بحرٍ لا ينضب من المعلومات حول مواطنيها ومواطني الدول الأخرى. بهذا الشكل، تشكّلت طبقة جديدة من السلطة غير المرئية، تجمع بين المال والمعلومة والأمن، وتدير العالم من خلف الشاشات.

تطرح هذه المعادلة سؤالًا فلسفيًا مقلقًا: هل يمكن الحديث اليوم عن دولة وطنية حقيقية في ظل هذا التشابك؟
حين تمتلك شركة مثل غوغل أو أمازون بيانات أكثر عن مواطني دولة ما من حكومتها نفسها، تصبح السيادة الرقمية مجرد وهم. فالمعلومات التي يفترض أنها ملكٌ عام للمجتمع، باتت تحت سيطرة كيانات خاصة، تتحكم في تدفقها وتستخدمها وفق مصالحها الخاصة أو مصالح الجهات التي تمولها.

ويكشف الكتاب عن أن التجسس لم يعد موجهًا فقط ضد “الأعداء”، بل أصبح شاملاً للجميع. فكل فرد متصل بالإنترنت، سواء في نيويورك أو الخرطوم أو باريس، هو هدف محتمل للمراقبة. الهواتف الذكية، البريد الإلكتروني، الكاميرات المنزلية، وحتى الأجهزة القابلة للارتداء، كلها أدوات في شبكة التجسس الكبرى. هذه الشفافية القسرية حولت الإنسان الحديث إلى “ملف مفتوح”، تُقرأ حياته لحظة بلحظة في مراكز بيانات عملاقة موزعة بين أميركا وأوروبا وآسيا.

يذهب المؤلفان إلى أبعد من ذلك، فيرون أن المراقبة لم تعد أداة لحماية الأمن فحسب، بل أصبحت وسيلة لتوجيه السلوك وضبطه. فالمجتمعات التي تُدرك أنها مراقَبة تميل إلى الامتثال والطاعة، حتى دون وجود قهر مباشر. هكذا تتحول المراقبة إلى أداة سياسية بامتياز، تصنع مواطنين خاضعين بدافع الخوف أو العادة أو اللامبالاة. إنها الطاعة الرقمية التي يتحدث عنها الكتاب: طاعة بلا أوامر، وقبول بلا مقاومة.

ويُحذّر دوغان ولابي من أن استمرار هذا التحالف بين الشركات والاستخبارات يعني أننا نعيش بدايات نظام شمولي جديد، لا يعتمد على الدبابات أو السجون، بل على البيانات والخوارزميات. دكتاتورية لا تُعلن نفسها، لأنها مغلفة بالشعارات الجميلة: الأمن، الراحة، التخصيص، والخدمة السريعة.

في النهاية، لا يرى المؤلفان في هذه الممارسات مجرد خطر على الخصوصية، بل تهديدًا جوهريًا لجوهر الإنسان ذاته. فحين تُختزل الحرية في “خيارات” يقدمها نظام مراقبة شامل، وحين تُدار قراراتنا تحت أعين لا تنام، نكون قد دخلنا مرحلة العبودية الطوعية التي حذر منها الفلاسفة من قبل.. ونواصل في الحلقة القادمة: كيف تحوّل الإنسان إلى سلعة تُباع بياناته في أسواق الإعلانات والسياسة؟ إن كان فى الحبر بقية بمشيئة الله تعالى ..

ليس لها من دون الله كاشفة
حسبنا الله ونعم الوكيل
اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ، و لا يرحمنا يا أرحم الراحمين

#البعد_الاخر | مصعب بريــر |

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب