المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. خاتمة سلسلة “الإنسان العاري”: حين يصبح المستقبل ملكًا للخوارزميات ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
بعد سبع حلقات من التعمق في أطروحات كتاب «الإنسان العاري: الدكتاتورية الخفية للعالم الرقمي»، نصل إلى لحظة التأمل الحاسمة: أين يقف الإنسان الآن في هذا العالم الذي صنعه بذكائه، ثم صار أسيرًا له؟

لقد كشف المؤلفان مارك دوغان وكريستوف لابي عن واقع جديد تتشكل ملامحه بصمت ودهاء: عالم لا يحتاج إلى العنف ليفرض سلطته، بل يعتمد على الإغراء والمكافأة الرقمية، عالم لا يطلب من البشر الطاعة بالقوة، بل يجعلهم يحبون خضوعهم ويجدون فيه راحةً ورفاهية.

الإنسان بين الحرية والراحة: في هذا العالم، فقدت الحرية معناها الكلاسيكي. فالمواطن الرقمي، رغم امتلاكه حرية التعبير، يعيش داخل فضاء تُدار فيه كل حركة بعناية.
الخوارزميات تعرف ما يحبه، ما يخافه، وما يمكن أن يجعله غاضبًا أو سعيدًا — ثم تستخدم تلك المعرفة لتوجيهه، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. إنها دكتاتورية بلا قمع ظاهر، لكنها أشد خطورة لأنها تُخدّر وعي الإنسان بدل أن تُواجهه.

نحن اليوم نعيش نقطة التحول الأخطر في تاريخ الإنسانية: لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة نستخدمها، بل بيئة نعيش داخلها. الهاتف أصبح امتدادًا للذات، والبيانات أصبحت مرآة الشخصية، والمنصات الاجتماعية تحولت إلى ساحات تصوغ الإدراك الجمعي للبشر. إنها مرحلة “ما بعد الخصوصية”، حيث يصبح كل إنسان شفافًا بالكامل أمام شركات لا نعرف وجوهها، وحكومات تتوارى خلف شعارات الأمن والسلامة.

حين تتحول الراحة إلى قيد : يحذر الكاتبان من أن أخطر ما يهدد الإنسان ليس التجسس ولا المراقبة، بل الاعتياد. حين نعتاد على أن نُراقب، حين نتقبل أن تُخزّن بياناتنا، حين نبرر فقدان الخصوصية باسم الراحة أو السرعة أو الأمان، نكون قد فقدنا الحس الأخلاقي بالحرية. وما بدأ كوسيلة لتسهيل الحياة، يتحول تدريجيًا إلى أداة لتطويع البشر. بهذا المعنى، فإن “الإنسان العاري” ليس ضحية مؤامرة، بل نتاج تواطؤ جماعي مع الراحة.

مسؤولية الوعي والمقاومة الهادئة: لكن الكتاب لا ينتهي بالتشاؤم، بل بنداء أخلاقي وفلسفي عميق: “الحرية في العصر الرقمي لا تُمنح، بل تُستعاد.” السبيل الوحيد لاستعادة السيطرة هو الوعي — أن نفهم كيف تعمل الخوارزميات، ماذا تفعل بياناتنا، وكيف تُستخدم ضدنا. الوعي هو بداية المقاومة، والمقاومة لا تعني الانعزال عن التكنولوجيا، بل استخدامها بوعي نقدي وإنساني.

فالتاريخ علمنا أن كل إمبراطورية للسيطرة، مهما بلغت قوتها، تسقط عندما يستيقظ الإنسان ويدرك قيمته. وفي هذا العصر، ستكون المعركة على الوعي الرقمي، لا على الأرض ولا على الثروة. من ينتصر فيها، هو من يستطيع أن يجعل التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا العكس.

نداء إلى الجيل الرقمي: جيل اليوم يقف على مفترق طرق، إما أن يكون مستهلكًا منقادًا في عالم تُديره الخوارزميات، أو أن يكون مواطنًا رقميًا حرًّا يشارك في رسم ملامح المستقبل.

إننا بحاجة إلى أخلاقيات رقمية جديدة، توازن بين الابتكار والكرامة، بين الاتصال والخصوصية، بين المنفعة والحرية. فالإنسان الذي يُفرّط في خصوصيته بدعوى “أنه لا يملك ما يخفيه”، هو ذاته الذي قد يستيقظ ذات يوم في عالمٍ لم يعد يملك فيه ما يُظهره إلا ما تختاره له الخوارزميات.

بعد اخير :

خلاصة القول، لقد أراد دوغان ولابي بكتابهما أن يطلقا جرس إنذار حضاري، لا ضد التكنولوجيا ذاتها، بل ضد غفلتنا أمامها. فحين يصبح الإنسان مكشوفًا بالكامل، يُفقد جوهره الإنساني — تلك المسافة الغامضة التي تمنحه القدرة على الاختيار، التأمل، والتمرد.. واخيراً، نختم السلسلة بنداء واضح وصارم، احمِ بياناتك، اسأل قبل أن توافق، وكن يقظًا في كل ما تمنحه للشبكة. فالحرية في القرن الحادي والعشرين لن تُقاس بما نقوله، بل بما نختار أن نحجبه عن أنظار الآلة.. ونواصل إن كان فى الحبر بقية بمشيئة الله تعالى ..

ليس لها من دون الله كاشفة

حسبنا الله ونعم الوكيل

اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ، و لا يرحمنا يا أرحم الراحمين

#البعد_الاخر | مصعب بريــر |
الجمعة (14 نوفمبر 2025م)
musapbrear@gmail.com

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب