الخرطوم=^المندرة نيوز^
زيادات الأجور في السودان اليوم لا تأتي كمنحة أو هدية، بل كحاجة قاسية فرضتها الحرب، وتراجع القدرة الشرائية، وانهيار قيمة الجنيه. القرارات الأخيرة المتعلقة بتعديل بدل الوجبة ودعم السكن ابتداءً من مطلع 2026 تبدو، في ظاهرها، محاولة لسد الفجوة بين المرتب والواقع، لكنها في حقيقتها تضعنا أمام سؤال أكبر: هل تكفي هذه الزيادات لإنقاذ حياة الناس، أم أنها مجرد مسكن مؤقت لتأجيل الألم؟
ما أعلن من أرقام يرفع الرواتب الاسمية بنسب متفاوتة بين الدرجات الوظيفية، بحيث يحصل أصحاب الدرجات العليا على زيادة أكبر، بينما تصل الزيادات في الدرجات الدنيا إلى مبالغ أقل. ورغم أن الأرقام قد تبدو كبيرة عند سماعها، إلا أن المقارنة العادلة لا تكون بالورق، وإنما بما يمكن للعامل أن يشتريه فعلاً. إيجار المنازل ارتفع أضعافًا، الغذاء تضاعفت أسعاره، والنقل والعلاج أصبحا عبئًا يوميًا. لذلك فإن أي زيادة، مهما بدت، تتحول سريعًا إلى مجرد محاولة للبقاء، لا وسيلة لبناء حياة مستقرة.
من الناحية الاقتصادية، فإن زيادة الأجور دون تحفيز الإنتاج، وضبط الأسواق، وتثبيت سعر الصرف، قد تقود — بقصد أو بدون قصد — إلى تضخم جديد يلتهم الزيادة نفسها. ولهذا، فإن الرهان على الأجور وحدها رهان ناقص. المطلوب هو حزمة حلول متكاملة: دعم الإنتاج المحلي، محاربة الاحتكار، ضبط الجمارك والرسوم، وتوجيه الدعم لمن يستحقه حقًا. فالعدالة تقتضي ألا تُفضَّل فئات مهنية على أخرى دون مبرر موضوعي، وألا يُترك العامل البسيط في آخر الصف بينما تتقدم الامتيازات إلى غيره.
لكن رغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن إضافة بدل السكن والوجبة تحمل اعترافًا صريحًا بمعاناة الناس. فهي رسالة — ولو متواضعة — تقول إن الدولة تدرك أن العامل لم يعد يستطيع مواجهة تكاليف الحياة وحده. هذه الرسالة قد تمنح شيئًا من الأمل، وتعيد قليلًا من الشعور بالكرامة، لكنها لن تؤتي ثمارها ما لم ترافقها شفافية وعدالة في التطبيق، وتقييم دوري للنتائج حتى لا تتحول إلى عبء جديد على الاقتصاد.
بعد اخير :
خلاصة القول، قبل الحديث عن زيادات 2026 وما بعدها، تبقى هناك قضية أكثر إيلامًا: آلاف العمال الذين توقفت مرتباتهم لفترات طويلة. هؤلاء لم يطالبوا بامتيازات، بل بحقهم الطبيعي في الأجر مقابل العمل. إن تركهم خلف الجدار دون حل لا ينسجم مع القانون، ولا مع الأخلاق، ولا مع أبسط معاني العدالة.
وأخيرًا، الإصلاح الحقيقي يبدأ من هنا: رد الحقوق، معالجة المتأخرات، ثم بناء هيكل أجور عادل ومتدرج، يحمي العمال من الجوع، ويحفظ للدولة سمعتها، ويمنح الناس أملاً بأن الغد — مهما طال الليل — يمكن أن يكون أرحم وأكثر إنصافًا.
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
حسبنا الله ونِعم الوكيل
اللهم لا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأربعاء | 31 ديسمبر 2025م







