المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. سَبْعُونَ ثَوْرَةً فِي عِيدٍ وَاحِد: السُّودَانُ عَصِيُّ الانْكِسَارِ.. مَلْحَمَةُ الدَّمِ وَالتُّرَابِ فِي وَجْهِ أَعَاصِيرِ المَكَائِدِ وَحَتْمِيَّةِ الانْتِصَار ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^

في فاتحة السبعين من عمر الحرية، يقف السودان شامخاً كالنخلة التي لا تزيدها العواصف إلا تجذراً، معلناً في ذكرى استقلاله المجيد أن السيادة ليست مجرد وثيقة وقعت في أروقة البرلمان عام 1956، بل هي نبض يتجدد في عروق أمة بايعت المجد منذ فجر التاريخ. إننا اليوم لا نحتفل بمجرد عبور زمني، بل نؤرخ لملحمة شعب استرد هويته من براثن الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، واضعاً لبنة الصمود الأولى في بناء القارة السمراء، ليكون السودان منارة التحرر ومنطلق الانعتاق الإفريقي والعربي بأسره.

 

لقد حقق الشعب السوداني عبر سبعة عقود مكاسب تاريخية لا ينكرها إلا جاحد؛ فبنى جيلاً من التكنوقراط والعلماء الذين نشروا المعرفة في شتى أصقاع الأرض، وصهر الهويات المتباينة في بوتقة “السودانوية” التي ظلت الحصن المنيع ضد التفتت رغم كل الأعاصير. إن أعظم مكاسب السبعين عاماً هي تلك الروح المقاتلة التي ترفض الخضوع، والوعي الجمعي الذي جعل من المواطن السوداني رقيباً على حريته، متمسكاً بتراب أرضه التي تجود بالذهب والماء والكلأ، مؤمناً بأن استقلال القرار الوطني هو أغلى ما يملكه في عالم تتجاذبه المصالح الكبرى.

 

بيد أن التحديات كانت بحجم التطلعات، فقد اصطدمت طموحات الدولة الوليدة بتركيبة جيوسياسية معقدة، وأزمات حكم بنيوية جعلت من الوصول إلى صيغة مستدامة للاستقرار أمراً بالغ المشقة. إن السبعين عاماً الماضية شهدت صراعاً مريراً بين أحلام البناء وواقع النزاعات، مما أهدر فرصاً تنموية كانت كفيلة بجعل السودان سلة غذاء العالم وقوته الضاربة اقتصادياً.

 

ومع ذلك، يظل التساؤل الجوهري يطرح نفسه بحدة: هل تحرر السودان حقاً من مكائد المستعمر؟ إن القراءة الاستراتيجية العميقة تشير إلى أن الاستعمار لم يرحل كلياً، بل غيّر جلده إلى أنماط من التبعية الاقتصادية والتدخلات السياسية الناعمة التي تستثمر في ثغراتنا الداخلية، مما يجعل معركة الاستقلال الحقيقية مستمرة حتى يومنا هذا، وهي معركة “الوعي والسيادة الاقتصادية”.

 

إن ما يمر به السودان اليوم من محن جسام ليس إلا مخاضاً عسيراً لولادة فجر جديد، فالدول العظيمة تمر بمنعطفات وجودية تمحص صمودها وتكشف معادن شعوبها. ورغم قتامة المشهد الحالي، إلا أن الإرث النضالي للسودانيين يؤكد أن الانكسار ليس قدراً، وأن القدرة على النهوض من وسط الرماد هي سمة أصيلة في الشخصية السودانية التي لا تعرف المستحيل.

 

بعد اخير :

 

خلاصة القول، للانتقال من واقع المحنة إلى رحاب الدولة القوية، يتطلب المستقبل خارطة طريق ترتكز على ثلاثة محاور: أولاً، التوافق الوطني الشامل الذي يتجاوز المحاصصات الحزبية إلى رحاب المصلحة العليا للدولة، وثانياً، توطين الإنتاج وتفجير طاقات الأرض لتحقيق الاستقلال الاقتصادي الذي يحمي القرار السياسي، وثالثاً، تقوية وتعزيز الجيش الوطني الموحد ومؤسسات عدلية ناجزة تكون هي الحارس لمكتسبات الاستقلال.

 

وأخيرًا، إن السودان بموقعه الاستراتيجي وموارده الهائلة لا ينقصه إلا الإرادة السياسية الجمعية ليعود قائداً في محيطه، فالمحن تصنع الأمم، والسبعون عاماً الماضية كانت مدرسة الصمود، وما بعدها سيكون بإذن الله عصر البناء والسيادة المطلقة.

 

ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

 

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾

حسبنا الله ونِعم الوكيل

اللهم لا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر

الخميس | 1 يناير 2026م

 

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *