الخرطوم =^المندرة^
تشكّل استقالة البروفيسور علي رباح من منصب أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، والبيان الرسمي الصادر عن الجامعة ردًا عليها، حالةً دراسيةً معبّرة عن أزمة الحوكمة والإدارة في المؤسسات الأكاديمية في ظل ظروف استثنائية. يقدّم منشور رباح روايةً شخصيةً مبنيةً على دوافع أخلاقية، بينما يحاول بيان الجامعة حصر الإشكالية في إطار إجرائي وتقني، مما يكشف عن هوة بين الرؤى التي تتطلب تحليلاً متأنياً لفهم التداعيات وتقديم مقاربات عملية للمستقبل.
يضع منشور رباح الاستقالة في إطار أزمة قيم وأخلاقيات مهنية، حيث يصوّر نفسه كحارس للأمانة الأكاديمية أمام ضغوط خارجية هدفت – بحسب روايته – إلى اختراق النظام، وعرقلة التحول الرقمي، والتغاضي عن محاولات تزوير. هذا الطرح يرفع القضية من مستوى خلاف إداري إلى مستوى مسؤولية وطنية وأكاديمية، إذ يربط حماية السجل الأكاديمي بالأمن القومي وسمعة البلاد. إصراره على أن الرحيل فعل أخلاقي عندما يصبح البقاء مشروطاً بالتفريط في الأمانة، يعكس موقفاً فردياً يتحدى منطق التسويات المؤسسية، ويسلط الضوء على معضلة الضمير الفردي في مواجهة الممارسات المؤسسية المشبوهة. كما أن تأكيده على أن ما بني من تناغم مؤسسي أصبح “عصيًا على الاجتثاث” يحمل تلميحاً مزدوجاً: تطميناً للمجتمع الأكاديمي من جهة، وإشارة إلى أن الاستهداف يأتي من خارج الجامعة من جهة أخرى.
من جهته، يتعامل بيان الجامعة مع الأمر من منظور دفاعي وإجرائي بحت. ينفي البيان أي تزوير في الشهادات الصادرة خلال فترة رباح، ويؤكد على صرامة الإجراءات وخصوصية السجلات، مما يشير إلى محاولة حماية السمعة المؤسسية طويلة الأمد. النقطة الأكثر حسماً في رد الجامعة هي الفصل الذي أقامته بين “استخراج” الشهادات و”التحقق” منها، موضحة أن لكل عملية جهة مسؤولة. هذا التفريق التقني يحوّل الانتقاد من قضية فساد محتمل إلى قضية سوء فهم أو خلط في الصلاحيات. كما أن إشارة البيان إلى تشكيل لجان للتحقق من بعض الشهادات المستخرجة قبل الحرب، تؤكد وجود شكوك أو تحقيقات جارية، ولكنها تضعها في إطار روتيني مؤسسي، بعيداً عن إطار “المحاولة” الفاعلة التي ذكرها رباح. اتهام البيان للمنشور بإلقاء “ظلال سالبة” وإلحاق الضرر بالسمعة، يكشف عن حساسية المؤسسة تجاه النقد العلني أكثر من اهتمامها بفحص المزاعم المطروحة بشكل جوهري.
التناقض بين الروايتين ليس مجرد خلاف في الحقائق، بل هو تعبير عن صراع بين منطقين: منطق الضمير الفردي والحماية الأخلاقية للمؤسسة من الداخل، ومنطق الحفاظ على الصورة العامة والاستقرار الإداري للمؤسسة من الخارج. غياب التفاصيل المحددة حول “الطرف الثالث” وطبيعة “الضغوط” في بيان رباح، يقابله غياب التفاصيل حول نتائج تحقيقات اللجان المذكورة وطبيعة الشكوك في الشهادات في بيان الجامعة، مما يخلق ضبابية تحول دون الوصول للحقيقة الكاملة. هذا يشير إلى أزمة ثقة وشفافية.
لتجاوز مثل هذه الإشكاليات مستقبلاً، لا بد من توصيات عملية تعيد الثقة وتحصّن المؤسسة. أولاً، يجب أن تتبنى الجامعة نظاماً مستقلاً للبلاغات والنزاهة الأكاديمية، يسمح بالإبلاغ عن المخالفات الأخلاقية والإدارية بسرية تامة وحماية كاملة للمبلغ، مما يوفر قنوات آمنة بديلة عن الاستقالة العلنية. ثانياً، تعزيز الشفافية عبر نشر سياسات وإجراءات التحقق من الشهادات والوصول إلى السجلات بشكل واضح، مع تفعيل آليات الرقابة الداخلية والخارجية الدورية. ثالثاً، إعادة هيكلة عملية التحول الرقمي بحيث تكون لامركزية ومشفرة، مع تسجيل كافة عمليات الدخول والتعديل على السجلات الرقمية بشكل يمنع الإنكار ويحمي من التدخل الخارجي. رابعاً، تطوير ميثاق أخلاقي واضح ومُلزم لجميع العاملين، يحدد مسؤولياتهم في حماية النزاهة الأكاديمية وآليات التعامل مع الضغوط الخارجية. خامساً، في حالات الخلاف العلني، ينبغي تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة، تضم شخصيات أكاديمية وقانونية موثوقة من خارج الجامعة، للتحقيق في جميع الادعاءات ونشر نتائجها علانية لاستعادة المصداقية.
بعد اخير :
خلاصة القول، الحادثة ليست مجرد استقالة فرد أو رد مؤسسي، بل هي عارض لمرض أعمق في بنية الحوكمة الأكاديمية الهشة في ظل الأزمات. الخروج منها يتطلب أكثر من البيانات التطمينية أو التضحيات الفردية؛ فهو يتطلب إرادة مؤسسية حقيقية لبناء أنظمة رقابية شفافة ومستقلة تحول القيم الأخلاقية التي استقال من أجلها البروفيسور رباح إلى ممارسات روتينية مؤسسية، تحمي الجامعة من الداخل والخارج، وتصون سمعتها ليس بالكلمات، بل بالفعل والحوكمة الرشيدة.
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
حسبنا الله ونِعم الوكيل
اللهم لا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الخميس | 8 يناير 2026م
musapbrear@gmail.com







