الخرطوم=^المندرة نيوز^
أثبت الهجوم الذي استهدف اجتماع ولاة الولايات في سنجة أن أساليب إدارة الدولة وتحركات المسؤولين لم تعد صالحة في ظل هذه الحرب المعقدة. ما حدث لم يكن مجرد حادث عابر، بل إنذار واضح بأن العدو أصبح يعتمد على الطائرات المسيّرة كوسيلة رخيصة وسهلة ودقيقة لضرب أهداف حساسة وسط تجمعات بشرية. الأخطر من ذلك أن هذه الهجمات لا تهدد المسؤولين وحدهم، بل تضع حياة المواطنين الأبرياء في دائرة الخطر، خاصة في المدن التي تؤوي أعداداً كبيرة من النازحين وتعيش أوضاعاً أمنية هشة.
الاعتماد على الاجتماعات التقليدية في مكان واحد وبأعداد كبيرة أصبح مخاطرة غير محسوبة. في زمن الحرب، يجب أن تتغير طريقة التفكير، وأن تكون سلامة الأرواح هي الأولوية الأولى. اليوم توجد وسائل حديثة وآمنة تتيح استمرار العمل الإداري دون تعريض الناس للخطر، مثل الاجتماعات الافتراضية المشفرة التي تسمح بالتواصل والتنسيق واتخاذ القرار من أماكن متفرقة وآمنة. هذا الأسلوب يقلل من فرص الرصد والمتابعة، ويصعب على العدو تحديد أهداف ثابتة يمكن ضربها.
كما أن تركيز القيادة في مواقع معروفة يسهل مهمة الاستهداف. المطلوب هو توزيع المقار الإدارية، والاعتماد على غرف عمليات متنقلة وسرية، وتغيير أماكن الاجتماعات باستمرار عند الضرورة. يجب أيضاً وقف الإعلان المسبق عن أي لقاءات رسمية أو تحركات قيادية عبر وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، لأن هذه المعلومات قد تتحول إلى إحداثيات جاهزة في يد العدو.
ومن أهم النصائح العملية لمنع تكرار مثل هذه الحوادث:
• تقليل حجم الاجتماعات الكبيرة واستبدالها بمجموعات صغيرة عند الضرورة.
• استخدام وسائل الاتصال المشفرة للاجتماعات والتنسيق اليومي.
• تفعيل أنظمة التشويش الإلكتروني حول أي موقع حساس.
• فرض رقابة جوية محلية لرصد أي طيران مسيّر في محيط المدن المهمة.
• تدريب الكوادر الإدارية والأمنية على أساليب السلامة والتعامل مع التهديدات الحديثة.
• عدم تثبيت مواقع العمل لفترات طويلة، وتغييرها بشكل دوري.
هذه الإجراءات ليست ترفاً ولا تعقيداً إدارياً، بل هي ضرورة تمليها طبيعة الحرب الحالية. الإصرار على البروتوكولات القديمة في واقع أمني متغير يمنح العدو فرصاً مجانية لإضعاف الدولة وإرباك مؤسساتها. التحول الرقمي والأمن السيبراني لم يعودا خياراً مستقبلياً، بل خط دفاع أساسي يجب العمل به فوراً.
خلاصة القول، أن ما جرى في سنجة يجب أن يكون نقطة تحول حقيقية في طريقة إدارة الدولة للأمن والاجتماعات والتحركات. حماية المسؤولين تعني حماية استقرار البلاد، وحماية المواطنين تعني الحفاظ على روح الدولة نفسها.
واخيراً، السودان اليوم بحاجة إلى عقلية مرنة وشجاعة، تقطع مع العادات الخطرة، وتبني نهجاً حديثاً يحمي الأرواح، ويحافظ على مؤسسات الدولة صامدة أمام كل محاولات التخريب والابتزاز.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاربعاء | 14 يناير 2026م






