المندرة نيوز

د. عبدالعزيز الزبير باشا يكتب.. رسالة ترمب وسدّ النهضة: لحظة اختبار للدولة السودانية

الخرطوم=^المندرة نيوز^
لا يمكن قراءة رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي باعتبارها مجرّد مبادرة دبلوماسية عابرة، ولا حتى محاولة متأخرة لإحياء وساطة فشلت سابقًا. هذه رسالة سياسية–أمنية مكتوبة بلغة المصالح الصلبة، وتكشف بوضوح أن ملف سدّ النهضة خرج من دائرة “الخلاف الفني” ودخل رسميًا خانة الأمن القومي الإقليمي والدولي.

ومن المنظور السوداني، فإن هذه الرسالة تمثل نقطة تحوّل حقيقية: فرصة استراتيجية نادرة، لكنها في الوقت نفسه فخّ محتمل لمن لا يحسن قراءة اللحظة أو إدارة التوازنات.

أول ما يلفت الانتباه أن السودان، وللمرة الأولى منذ سنوات، لا يظهر كطرف هامشي أو تابع في معادلة النيل. تكرار ترمب لذكر “مصر والسودان وإثيوبيا” ليس تفصيلًا لغويًا، بل اعترافًا ضمنيًا بأن أي حلّ قابل للحياة لا يمكن أن يُبنى بتجاوز السودان أو التعامل معه كقناة عبور مائية بلا إرادة سياسية أو مصالح سيادية.

هذا الاعتراف يعيد تصحيح خلل مزمن في إدارة ملف النيل، حيث دُفع السودان طويلًا إلى موقع المتفرج، بينما كانت القرارات الكبرى تُتخذ فوق مياهه وضد بنيته التحتية وسلامة سدوده. الرسالة تفتح الباب أمام السودان ليستعيد موقعه الطبيعي: دولة مصبّ، ودولة منشآت، ودولة يتحمل شعبها مخاطر مباشرة من أي خطأ هندسي أو تصرف أحادي.

في الوقت نفسه، تكشف الرسالة أن واشنطن قررت العودة إلى الملف، لا بدافع الإحسان، بل لأن استمرار الفراغ بات مكلفًا. الولايات المتحدة لا تعود لأن الأزمة “طال أمدها”، بل لأن خطر الانفجار العسكري صار واقعيًا، ولأن المياه تحولت إلى أحد أهم أدوات الصراع في القرن الحادي والعشرين. حديث ترمب عن “إطلاقات مائية منتظمة ويمكن التنبؤ بها” هو حديث أمن قومي بامتياز، لا لغة تنمية ولا دبلوماسية ناعمة.

وهنا تكمن أهمية التحول: ترمب لا يطرح نفسه وسيطًا محايدًا، بل مراقبًا وضامنًا. وهذا الفارق هو ما يمنح السودان فرصة تاريخية لانتزاع ما حُرم منه سابقًا: آليات إلزام حقيقية، تبادل بيانات فوري، وضمانات تشغيلية تحمي سدّ الروصيرص وسنار ومروي من العبث أو المجازفة.

أما الحديث عن الكهرباء الإثيوبية، فهو الطُعم الذكي في الرسالة. صحيح أن الاستفادة من الطاقة تمثل مكسبًا اقتصاديًا محتملاً، لكن التعامل معها بسذاجة سيكون خطأً استراتيجيًا فادحًا. الكهرباء في هذا السياق ليست غاية، بل أداة موازنة، وقد تتحول بسهولة إلى وسيلة ضغط إن لم تُربط باتفاق شامل، واضح، وقابل للإنفاذ. بالنسبة للسودان، الأولويات يجب أن تكون جلية: الأمان المائي أولًا، سلامة المنشآت ثانيًا، وكل ما عدا ذلك تفاصيل قابلة للتفاوض.

الأهم من كل ما سبق أن الرسالة تحمل تحذيرًا صريحًا لإثيوبيا، حتى وإن جاء بصياغة دبلوماسية. القول إن “لا يحق لأي دولة السيطرة من جانب واحد على موارد النيل” ليس رأيًا، بل رسم لخط أحمر جديد. معناه أن زمن فرض الأمر الواقع يقترب من نهايته، وأن الاستمرار في النهج الأحادي قد يفتح أبوابًا لا ترغب أديس أبابا في طرقها.

في هذه اللحظة بالذات، يستطيع السودان – إن أحسن التموضع – أن يتحول من ساحة صراع إلى ميزان توازن: صوت قانوني عقلاني، وصاحب مصلحة تقنية مباشرة، وجسر سياسي لا ينحاز للشعارات بل للحقائق.

لكن ذلك مشروط بشيء واحد: أن يتصرف السودان كدولة، لا كأطراف متفرقة. المطلوب اليوم ليس خطابات، بل موقف موحد، ورسالة واحدة، وخطوط حمراء لا تُمس. أي اتفاق لا يتضمن آلية إنفاذ واضحة، وضمانات تشغيلية، ومساءلة دولية، هو اتفاق مؤجل للانفجار.

الخلاصة أن رسالة ترمب ليست حلًا، لكنها إعلان بداية مرحلة جديدة. مرحلة تُدار فيها أزمة سدّ النهضة بمنطق القوة المحسوبة لا المجاملات، وبميزان المصالح لا العواطف. والسودان اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن يدخل هذه المرحلة لاعبًا يعرف ماذا يريد، أو أن يُترك – مرة أخرى – ليدفع ثمن صراع لم يختره، لكنه يجري فوق مياهه.

والتاريخ، كما نعلم، لا يعيد الفرص مرتين… خصوصًا عندما تمرّ على ضفاف النيل.

*وطن ومؤسسات…..*
*السودان أولاً وأخيراً…..*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا*
*18/01/26*

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *