الخرطوم=^المندرة نيوز^
في اللحظات الاستثنائية من عمر الدول، تُنشأ اللجان لا بوصفها بدائل دائمة لمؤسسات الحكم، بل كأدوات مؤقتة لسد فراغٍ طارئ أو معالجة خلل محدد بمهام واضحة وسقف زمني معلوم. وأي تجاوز لهذه القاعدة، مهما حسنت النوايا، يُفضي بالضرورة إلى تشويه بنية الدولة وإرباك مركز القرار.
ومن هذا المنطلق، فإن لجنة تهيئة بيئة العودة إلى ولاية الخرطوم، برئاسة الفريق مهندس بحري إبراهيم جابر، يجب أن تُقرأ في إطارها الوظيفي الضيق، لا أن تُحمَّل ما لا تحتمل، ولا أن تُقدَّم باعتبارها نموذج حكم أو بديلاً عن السلطة التنفيذية.
*أولًا: تحديد المهمة… لا توسيع الدور*
المهمة الموكلة للجنة واضحة ولا تحتمل التأويل:
• إعادة تأهيل العاصمة،
• تهيئة البيئة الأمنية والخدمية،
• تمكين عودة المواطنين،
• وتسهيل عودة مؤسسات الدولة إلى مقارها الطبيعية.
هذه مهمة فنية–تنفيذية محددة، تنتهي بانتهاء إنجازها.
ولا تتضمن بطبيعتها:
• قيادة الاقتصاد الوطني،
• رسم السياسات العامة،
• أو إدارة الرمزية السيادية للدولة.
أي انزلاق خارج هذا الإطار، سواء بالتصريح أو الممارسة، يُحوّل اللجنة من أداة مؤقتة إلى مركز سلطة موازٍ، وهو ما لا تحتمله دولة تخوض حرب بقاء.
*ثانيًا: الخطر الحقيقي… حين يختلط الإنجاز بالشرعية*
إن استئناف عمل مؤسسات من داخل الخرطوم – بما فيها البنك المركزي – يُعد تطورًا إيجابيًا من حيث المبدأ، لكن خطورته السياسية تكمن في كيفية توظيفه.
فحين يُقدَّم هذا الإنجاز:
• خارج سياق الحكومة،
• أو بمعزل عن إطار سيادي جامع،
• أو بوصفه نتاج لجنة بعينها،
فإن الرسالة الضمنية لا تكون طمأنة، بل تشويشًا على مفهوم الدولة، وكأن الدولة لا تعمل إلا عبر ترتيبات استثنائية، لا عبر مؤسساتها الدائمة.
وهنا لا يكون الخلل في الإنجاز نفسه، بل في تحويل الفعل المؤقت إلى مشهد دائم.
*ثالثًا: لا حكومة، ولا لجنة… الدولة هي الأصل*
إن الإشكال القائم اليوم لا يقتصر على ما يُسمّى حكومة الأمل، ولا على لجان الطوارئ، بل في التعايش القَلِق بين صيغ فقدت صلاحيتها ولم تُستبدل بعد.
• حكومة لم تعد تمسك بزمام المبادرة،
• ولجان تجاوزت أدوارها الفنية بحكم الفراغ،
• وواقع ميداني يفرض قرارات أكبر من الجميع.
في هذه المعادلة، يصبح استمرار أي جسم – حكوميًا كان أو لَجنيًا – خارج منطق الضرورة المؤقتة إسهامًا غير مباشر في إفراغ هيبة الدولة.
*رابعًا: المسؤولية تقتضي الانسحاب لا التمدد*
كما أن المرحلة تقتضي:
• حل الصيغ الحكومية المتجاوزة،
• وإعادة توحيد مركز القرار،
فإنها تقتضي بالقدر نفسه:
أن تنهي اللجان الاستثنائية أدوارها فور إنجاز مهامها، وأن يتنحّى القائمون عليها دون تحويل النجاح التنفيذي إلى رصيد سياسي.
فالدولة لا تُبنى بتراكم اللجان،
ولا تُدار بتناسل مراكز الفعل،
بل باستعادة البناء المؤسسي الكامل.
*خاتمة: استعادة الدولة تبدأ بإنهاء الاستثناء*
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى:
• حكومة ضعيفة،
• ولا لجنة قوية،
بل إلى دولة واحدة:
• بقرار واحد،
• ومؤسسات واضحة،
• وسلطات تعرف متى تتقدم، ومتى تنسحب.
وأي تأخير في إنهاء منطق الاستثناء – مهما بدا مبررًا – لن يكون إلا تأجيلًا لأزمة السيادة، لا حلًا لها.
الدولة تُنقذ حين يعرف كل موقع حدوده…
وحين يكون الانسحاب في وقته فعلَ مسؤولية، لا هروبًا من الواجب…..
*وطن و مؤسسات….*
*السودان أولا و أخيراً….*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا…*
*23/1/2026*







