الخرطوم=^المندرة نيوز^
تختتم اليوم بالخرطوم الصامدة فعاليات الاجتماع السنوي التقييمي لمديري تعزيز الصحة بالولايات، وهو المحفل الذي لم يكن مجرد اجتماع روتيني لتفنيد الأرقام والخطط، بل كان تظاهرة مهنية ووطنية تثبت أن نبض الدولة السودانية لا يزال حياً وقوياً. وقد جاءت مخاطبة وزير الصحة الاتحادي، البروفيسور هيثم محمد إبراهيم، لهذا الجمع لتضع النقاط على الحروف، حين أكد أن اجتماعنا في الخرطوم اليوم هو في حد ذاته انتصار وإنجاز يضاف لرصيد النظام الصحي، محيياً تلك الروح الجسورة التي دفعت بممثلة ولاية جنوب كردفان لقطع مسيرة ثلاثة أسابيع من أجل المشاركة، وهي رسالة بالغة الدلالة على أن تعزيز الصحة هو “عصب” البقاء في هذه الظروف الاستثنائية.
إنني إذ أكتب هذه السطور بقلب يملؤه التفاؤل، أتقدم بوافر الشكر والتقدير لإدارة تعزيز الصحة الاتحادية على دعوتهم الكريمة لنا لنكون حضوراً في هذا الاجتماع، بصفتي مديراً أسبق لهذه الإدارة الحيوية ورئيساً لجمعية تعزيز الصحة السودانية. ورغم عدم مشاركتى حضوريا لظروف خاصة، لكننى لمست في عيون المشاركين إصراراً لا يلين، وتجلى لنا بوضوح أن “تعزيز الصحة” ليس مجرد شعارات تُرفع، بل هو الخط الدفاعي الأول لنظامنا الصحي، خاصة في ظل الحرب التي جعلت من الوعي المجتمعي والسلوك الفردي الركيزة الأساسية للوقاية من الأوبئة وتدبير شح الموارد الطبية. إن الصحة في جوهرها تبدأ من البيت، ومن السلوك اليومي، وهذا ما جعل شعار الاجتماع “تخطيط، تنسيق وقياس” ملامساً للواقع تماماً.
لقد أوضحت الدكتورة نهاء صالحين، مديرة تعزيز الصحة، أن الاجتماع ناقش بشفافية تحديات الأداء تحت نيران الحرب ووضع لبنات الخطة الاستراتيجية 2026-2030م. ومن هنا، ومن واقع الخبرة والمسؤولية الوطنية، نرى أن المرحلة المقبلة تتطلب “ثورة” في آليات التنسيق. فلا يمكن لتعزيز الصحة أن يعمل في جزر معزولة، بل يجب أن يكون شريكاً أصيلاً ومسبقاً في كل البرامج الصحية (تحصين، طوارئ، وصحة بيئة). إن التواصل الفعال ليس مجرد رسائل عبر الإذاعة، بل هو “اشتباك إيجابي” مع منظمات المجتمع المدني، وتفعيل حقيقي لدور لجان الكرامة والخدمات بالأحياء، فهم الأدرى بتفاصيل مجتمعاتهم والأقدر على قيادة التغيير السلوكي من الداخل.
بعد اخير :
خلاصة القول، إن تفعيل دور “المجتمع” هو الضمانة الوحيدة لنجاح أي خطة صحية في هذه المرحلة الدقيقة. نحن بحاجة إلى تحويل كل حي وكل “تكيّة” وكل مركز إيواء إلى منصة لتعزيز الصحة، عبر لجان الخدمات التي تلامس حوجة المواطن اليومية. إن الاستثمار في الوعي هو أقل كلفة وأكثر ديمومة من الاستثمار في العلاج، خاصة في ظل الظروف الراهنة.
وأخيرًا، إننا نشد على أيدي كوادر تعزيز الصحة في كل ولايات السودان، فهم جنود مجهولون يخوضون معركة الوعي بصمت وصبر، ونؤكد أننا في جمعية تعزيز الصحة السودانية سنظل سنداً ودافعاً لكل جهد يصب في مصلحة إنساننا السوداني الصابر.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاربعاء | 4 فبراير 2026م






