الخرطوم=^المندرة نيوز^
في خضم التعقيدات التي يمر بها السودان، جاء البيان السعودي–التركي المشترك ليعكس مستوى متقدمًا من الاهتمام الإقليمي بما يجري في البلاد، سواء على الصعيد الإنساني أو السياسي. ومثل هذه البيانات، بطبيعتها، لا تُقرأ حرفيًا فقط، بل تُفهم في سياقها وتوقيتها ودلالاتها الأوسع.
من زاوية سودانية خالصة، يمكن القول إن البيان يحمل إشارات إيجابية، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة مشروعة حول كيفية ترجمة النوايا إلى واقع يخدم السودان وشعبه، لا غير.
الاعتراف بالقرار الوطني
الإشادة بقرارات فتح بعض المطارات السودانية تُعد مؤشرًا مهمًا على تنامي الاعتراف بقدرة الدولة السودانية ومؤسساتها على إدارة شؤونها السيادية، واتخاذ قرارات عملية تهدف إلى تسهيل الحركة، ودعم الجوانب الإنسانية، وتحسين الأوضاع المعيشية.
وهذه نقطة يجب البناء عليها، لأن تثبيت مبدأ أن القرارات الوطنية تصدر من الداخل، وفق تقدير وطني للمصلحة العامة، هو أساس أي تعاون إقليمي أو دولي ناجح.
*البعد الإنساني… والتنظيم الضروري
الحديث عن المعابر والمساعدات يعكس إدراكًا حقيقيًا لحجم المعاناة الإنسانية التي يواجهها المواطن السوداني. غير أن التجارب السابقة أثبتت أن حسن النية وحده لا يكفي، وأن العمل الإنساني يبلغ أقصى فعاليته عندما يتم في إطار من التنظيم، والتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة، وبما يحفظ الاستقرار ويمنع التعقيدات غير المقصودة.
المعادلة هنا واضحة: مساعدة فعّالة، مقابل إدارة مسؤولة.
*السلام… مفهوم لا شعار*
الإشادة بالجهود الرامية إلى تحقيق السلام تعكس رغبة إقليمية في إنهاء حالة عدم الاستقرار، وهو هدف يتقاطع مع تطلعات السودانيين أنفسهم. لكن السلام، كما أثبتت تجارب المنطقة، ليس مجرد وقف مؤقت للصراع، بل عملية متكاملة تعالج الجذور، وتحفظ الدولة، وتعيد بناء الثقة داخل المجتمع.
السلام المستدام لا يُفرض، ولا يُستعجل، ولا يُبنى بمعزل عن الواقع الاجتماعي والسياسي للبلاد.
العملية السياسية ومسؤولية التوقيت
الإشارة إلى المسار السياسي تفتح باب النقاش حول مستقبل الحكم في السودان، وهو نقاش لا غنى عنه. غير أن نجاح أي عملية سياسية يظل مرهونًا بتهيئة البيئة المناسبة لها، وبقدرتها على أن تكون عامل استقرار لا مصدر انقسام جديد.
السودانيون، بحكم تجربتهم وتاريخهم، يدركون أن السياسة إذا سبقت التعافي، تعثّرت، وإذا جاءت بعده، نجحت.
*العدالة وبناء الثقة*
التأكيد على مبادئ العدالة وعدم الإفلات من المحاسبة يظل مطلبًا أخلاقيًا عامًا، لكن تطبيقه السليم يقتضي احترام المؤسسات الوطنية، والاحتكام للقانون، وتجنب التعميم أو التسييس. العدالة التي تُبنى بهدوء وثقة هي وحدها القادرة على تضميد الجراح، لا فتحها من جديد.
*خلاصة القول*
البيان السعودي–التركي يمكن النظر إليه كنافذة اهتمام وفرصة تواصل، لا كخريطة طريق مكتملة. قيمته الحقيقية ستتحدد بمدى قدرة السودان على توجيه هذا الاهتمام بما يخدم أولوياته الوطنية: الاستقرار، وتحسين حياة المواطنين، وإعادة البناء.
السودان لا يخاصم محيطه، ولا يرفض الدعم، لكنه يتمسك بحقه الطبيعي في إدارة شؤونه وفق رؤيته ومصلحته.
وفي عالم السياسة، الفرق كبير بين دولة تُستَهدف بالحلول، ودولة تصوغ حلولها بنفسها.
*وطن و مؤسسات….*
*السودان أولا و أخيراً…*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا…*
*5/2/2026*






