المندرة نيوز

د. عبدالعزيز الزبير باشا يكتب: تشريع بالإنابة أم تفكيك للدولة؟

الخرطوم=^المندرة^
تشريع بالإنابة أم تفكيك للدولة؟
تفنيد مقترح المجلس التشريعي المعيَّن

ما طُرح أخيرًا بشأن تشكيل مجلس تشريعي انتقالي بالتعيين، يضم ما لا يقل عن 300 عضو موزعين وفق نسب سياسية ومجتمعية مصطنعة، لا يمكن وصفه إلا باعتباره قفزة في الفراغ السياسي ومحاولة مكشوفة لإعادة إنتاج الأزمة لا حلّها.

أول العبث يبدأ من فكرة العدد نفسها: ثلاثمائة عضو في دولة خارجة من حرب، ومؤسساتها بالكاد تُعاد إلى العاصمة، وخزينتها تُستنزف، وأمنها لم يستقر بعد. أي منطق إداري أو مالي أو أمني يبرر هذا التضخم؟ لا شيء سوى منطق المحاصصة.

ثانيًا، الحديث عن “مرجعيات شرعية” تتمثل في اتفاق جوبا والوثيقة الدستورية يتجاهل حقيقة أن اتفاق جوبا كان تسوية مرحلية لمعالجة نزاع مسلح، لا تفويضًا مفتوحًا لإعادة هندسة الدولة أو منح حق التشريع بالتعيين لمن وقّعوا عليه. الأخطر من ذلك أن بعض الأطراف الموقعة تجاوزت حتى روح الاتفاق، وبدأت تتصرف كسلطة موازية، بما في ذلك منح رتب عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، في خرق صريح لأسس الدولة الحديثة.

أما توزيع النسب، فهو كاريكاتير سياسي لا يمت بصلة للتمثيل الحقيقي:
40% للكتل السياسية؟ أي كتل؟ وبأي وزن شعبي؟
20% للقوات المسلحة داخل مجلس تشريعي؟ هذا خلط متعمد بين الأدوار السيادية والتشريعية.
3% هنا و3% هناك لفئات محترمة بلا شك، لكنها تُستخدم كديكور شرعي لتجميل صفقة سياسية مُعدة سلفًا.

الادعاء بأن هذا المجلس سيُرسخ “التحول المدني الديمقراطي” لا يصمد أمام أبسط اختبار منطقي: لا ديمقراطية بلا تفويض شعبي، ولا تشريع بلا انتخابات، ولا رقابة حقيقية في ظل حرب ودولة بلا استقرار كامل. ما يُقترح ليس انتقالًا ديمقراطيًا، بل إدارة أزمة عبر تضخيم الهياكل وتفريغ هيبة الدولة.

الأدهى هو محاولة استنساخ نماذج خارجية أو محاكاة تجارب دول أخرى، متناسين أن السودان ليس مصر، ولا تونس، ولا أي دولة أخرى. تركيبته السكانية، جغرافيته، تاريخه السياسي، واقتصاده، وموقعه الجيوسياسي تفرض مسارًا مختلفًا تمامًا. التقليد الأعمى هنا ليس خطأً فقط، بل كارثة مؤكدة.

في هذه المرحلة الوجودية، لا تحتاج الدولة إلى مجلس تشريعي مُعيَّن، بل إلى مركز قرار واحد، وسلطة تنفيذية ممكّنة، وتشريع بالضرورة عبر المراسيم إلى حين قيام انتخابات حقيقية. أي مسار موازٍ هو تشويش، وأي استعجال في الهياكل هو هروب من مواجهة الواقع.

*الخلاصة واضحة:*
هذا المقترح لا يستكمل هياكل الانتقال، بل يهدم ما تبقى من منطق الدولة.
ولا يؤسس لديمقراطية، بل يفتح الباب لفوضى مُقنّعة بالنسب والعناوين.

الدولة لا تُدار بالجداول، ولا تُبنى بالمحاصصة.
تُبنى بالحسم….

*وطن و مؤسسات….*
*السودان أولا و أخيراً….*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا…*
*8/2/2026*

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *