الخرطوم=^المندرة نيوز 1١١١١١^
بدأت حملة استرداد كرامة مدير أراضي الخرطوم من نقطة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها: موظف التزم بالقانون فدفع ثمن تمسكه به. ما جرى داخل مكتب الأراضي لم يكن مجرد خلاف إداري عابر، بل لحظة اختبار حقيقية لفكرة الدولة نفسها؛ هل تُدار بالمؤسسات واللوائح، أم بالأوامر والنفوذ؟ لذلك تحولت الواقعة سريعاً إلى قضية رأي عام، لأن الناس رأت فيها صورتها اليومية مع الظلم الصغير الذي يتكرر بصمت.
إسهام عدد من الكُتّاب والصحفيين في كشف التفاصيل لعب دوراً مهماً في إعادة التوازن للرواية. فبدلاً من أن تضيع الحادثة في دهاليز المكاتب، وُضعت أمام المجتمع بلغة واضحة، تستند إلى الشهادات والوقائع لا إلى الانفعال فقط. هذا الدور أعاد شيئاً من ثقة الشارع في الكلمة المسؤولة، وأثبت أن للإعلام المهني قدرة حقيقية على حماية الخدمة المدنية حين يختار الوقوف مع الحقيقة لا مع أصحاب السلطة.
وجاء تدخل رئيس الوزراء ووالي الخرطوم ليمنح القضية بعداً مختلفاً. فإيقاف الإجراءات المخالفة وإعادة الموظف إلى موقعه رسالة مباشرة بأن الدولة قادرة على تصحيح أخطائها حين تتوفر الإرادة. مثل هذه الخطوات، مهما بدت محدودة، تفتح باب الأمل في أن ميزان العدالة يمكن أن يستقيم، وأن كرامة الموظف العام ليست أمراً هامشياً بل جزء من هيبة الدولة نفسها.
القضية كشفت أيضاً الحاجة إلى إعلام مهني قوي يدافع عن الحوكمة والشفافية ويحارب استغلال النفوذ. فقد عانى هذا النوع من الإعلام طويلاً من التهميش وسط ضجيج المصالح والولاءات الضيقة، ما أضعف صوته وأربك دوره. لكن ما حدث يؤكد أن المجتمع ما زال يبحث عن الكلمة الصادقة، وأن عودة الإعلام الجاد ليست ترفاً بل شرطاً لإصلاح الدولة.
إن كشف ثغرات استغلال النفوذ لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة لبناء حكم عادل رشيد يحلم به السودانيون. فالدول لا تنهار بسبب الأخطاء الكبيرة فقط، بل بسبب التساهل مع التجاوزات الصغيرة التي تتكرر حتى تصبح قاعدة. وحين يُحاسَب المتجاوز، ويُكرَّم الملتزم بالقانون، تبدأ أولى خطوات الإصلاح الحقيقي.
بعد اخير :
خلاصة القول،تبقى الرسالة الأهم أن سيادة القانون ليست شعاراً يُرفع في الخطب، بل ممارسة يومية تحمي الضعيف قبل القوي. وما جرى في هذه القضية يمكن أن يكون بداية طريق مختلف، إذا تحوّل إلى نهج دائم لا استثناء عابر.
واخيراً، عندها فقط يشعر المواطن أن العدالة ممكنة، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع. وهذا هو الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل يستحقه السودان.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الثلاثاء | 10 فبراير 2026م







