الخرطوم=^المندرة نيوز^
الحدود ليست مساحة شعارات، بل اختبار نضج الدولة. ومع تصاعد التغطيات الإعلامية حول المعسكرات والتدخلات الإقليمية، يصبح الخطر الحقيقي هو الانجرار إلى ردود فعل آنية تُرضي المزاج العام لكنها تُربك الحسابات الوطنية. إدارة الملف الحدودي يجب أن تستند إلى ثلاث ركائز: جاهزية دفاعية محسوبة، دبلوماسية نشطة، وسند قانوني دولي صلب.
*أولًا: الردع ليس صخبًا بل مصداقية.*
الدولة الجادة لا تستعرض قوتها، بل تبنيها. تعزيز المراقبة، رفع كفاءة الانتشار، تطوير قدرات الإنذار المبكر، وإظهار قدرة عملية على حماية السيادة — كل ذلك يدخل في إطار حق أصيل تكفله المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تقر بحق الدفاع الشرعي عن النفس عند وقوع اعتداء، شريطة الالتزام بالضرورة والتناسب. الردع المنضبط بالقانون ليس تصعيدًا، بل حماية مشروعة.
*ثانيًا: السيادة وسلامة الإقليم خط أحمر قانونيًا.*
المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة. كما أن إعلان مبادئ العلاقات الودية بين الدول (1970) يحظر التدخل في الشؤون الداخلية أو دعم جماعات مسلحة لزعزعة استقرار دولة أخرى. وأحكام محكمة العدل الدولية، خاصة في قضية نيكاراغوا (1986)، رسّخت أن تسليح أو تمويل أو تدريب فاعلين مسلحين ضد دولة أخرى يرتّب مسؤولية دولية. هذه ليست شعارات؛ هذه قواعد مُلزِمة.
*ثالثًا: الدبلوماسية أداة قوة لا علامة ضعف.*
إدارة التوترات مع أي جار — بما في ذلك إثيوبيا — تحتاج قنوات مباشرة، وآليات منع احتكاك، وتفاهمات ميدانية واضحة. التفاوض من موقع جاهزية أفضل من التصعيد من موقع انفعال. كما أن ميثاق الاتحاد الإفريقي يؤكد احترام الحدود الموروثة وسلامة الدول، ويوفر آليات وساطة يمكن تفعيلها قبل تفاقم الأزمات.
*رابعًا: التحالفات تُبنى على المصالح لا العواطف.*
التنسيق الإقليمي مشروع عندما يعزز الاستقرار ويوازن التهديدات دون أن يُقيد القرار الوطني أو يجر البلاد إلى حسابات الآخرين. السودان يجب أن يبقى صاحب قراره، يتحرك وفق تقديراته، لا وفق موجات إعلامية عابرة.
*خامسًا: المعركة الإعلامية جزء من الأمن القومي.*
حين ترتفع حرارة القنوات، لا ينبغي أن يرتفع الخطاب بلا بوصلة. المطلوب رواية وطنية موثقة، هادئة، تكشف الحقائق، وتُحصّن الرأي العام من الشائعات، دون تحويل المنصات إلى ساحات تعبئة عاطفية.
*الخلاصة:*
السودان يملك حقًا قانونيًا كاملًا لحماية حدوده، وبناء جاهزية دفاعية منضبطة، وتفعيل الدبلوماسية، ومساءلة أي طرف يخرق التزاماته الدولية. الفرق كبير بين إدارة المخاطر والقفز إلى حافة المواجهة. الدولة القوية تمسك بزمام الأمر: جاهزية كاملة، قانون واضح، دبلوماسية نشطة، وتحالفات محسوبة.
السيادة تُصان بالعقل قبل الصوت.
وهذا زمن الحسابات الدقيقة، لا ركوب الموجات الساخنة…
*وطن و مؤسسات….*
*السودان أولا و أخيراً….*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا…*
*11/2/2026*





